ابحث عن : بحث متقدم

القلم » فقه النهضة...

قيم هذه المادّة:
1.00 من 5 (1 صوت)

ذو القرنين و الإنجاز الحضاري
09-12-2009
"...إنه إبداع في فهم الدنيا و الدين ، و ليس ابتداع كما قال شيخنا الغزالي فيهما أدي إلى الفوضى العقلية و الخلقية بين جماعة المسلمين..."

شيخنا الكبير محمد الغزالي — رحمه الله — أقر أنه كان يشعر بالحزن عندما كان يقرأ خبر هذا الرجل .. (ذو القرنين ) !! و ذلك ليس لعيب فيه .. أو حسرة عليه .. إنما لعيب كبير في أمتنا و حسرة علي ما آلت إليه .

يقول الشيخ الغزالي في كتابة (نحو تفسير موضوعي لآيات القرآن ) ; إن الخبرة الفنية التي أبداها ذو القرنين لا تعرف اليوم بين المسلمين ، لقد انفرد الأجانب بها ، و أمسوا الخبراء المتخصصين فيها . إن المهارة في شئون الحياة صارت لديه ملكة راسخة . و يضيف قائلا .. إننا بدل أن نتعلم الإبداع في شئون الدنيا تعلمنا الابتداع في شئون الدين ، فأتينا بأمور — ما أنزل الله بها من سلطان . و كان من وراء ذلك فوضي عقليه و خلقية ، أخرتنا في معاشنا و معادنا(1) ...!!

إن ( ذو القرنين )نموذج فذ لرجل آتاه الله الملك و العلم و الحكمة و كذلك القوة و الإيمان و العدل و كل منها مثلث متساوي الأضلاع لأساسات هامة ترسخ و تحمل أي بنيان حضاري .. فالعلم يحتاج إلي حماية قوة الملك و قوة الملك تحتاج إلي العلم .. و الملك و العلم يحتاجان إلي الحكمة كي يستمر هذا الملك .. فكم من حضارات قامت علي قوة الملك و قوة العلم و افتقدت إلي الحكمة فاغترت بما فعلت و تعالت بلا قيم تساندها حتى هوت في أسفل سافلين — وما خبر حضارات بلاد الإغريق واليونان والفراعين عنا ببعيد ..

هذا المثلث المتساوي الأضلاع هو .. هو .. الذي يعني كذلك القوة و الإيمان و العدل .. فالإيمان يحتاج إلي قوة و القوة تحتاج إلي إيمان .. و كلاهما يغذيهما العدل و الإنصاف في تدبير شئون العباد و إلا فالظلم و المحاباة و تقريب أهل الغني و السلطان دون الفقراء .. يعني الإجحاف البيّن .. و احتقان الصدور .. و اندلاع الفوضى و عدم الاستقرار .

ذو القرنين نموذج للحاكم المصلح العادل :-

" إن سيرة ذي القرنين : نموذج طيب للحاكم الصالح ، يمكنه الله في الأرض ، و ييسر له الأسباب فيجتاح الأرض شرقاً و غرباً ، و لكنه لا يتجبر و لا يتكبر ، و لا يطغي و لا يتبطر ، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي ، و استغلال الأفراد و الجماعات و الأوطان ، و لا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق ، و لا يسخر أهلها في أغراضه و أطماعه .. إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به ، و يساعد المتخلفين ، و يدرأ عنهم العدوان دون مقابل ، و يستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير و الإصلاح ، و دفع العدوان و إحقاق الحق ، ثم يرجع كل خير يحققه الله علي يديه إلي رحمة الله و فضل الله ، و لا ينسي وهو في إبان سطوته قدرة الله و جبروته ، و أنه راجع إلي الله " (2)

الثواب و العقاب ضرورة لصلاح البلاد :-

في سياحة ذي القرنين في أرض الله .. وجد الناس علي ثلاث هيئات .. و ثلاثة أطباع .. فعند مغرب الشمس وجد قوما يحسنون و يسيئون .. و عند مطلع الشمس و جد قوما متخلفين يحتاجون الإصلاح و التغيير و بين السدين وجد قوما شرارا أشد ما يكون الشر و هم ( يأجوج و مأجوج ) .. فيتعامل مع كل قوم بحكمه و عدل و إنصاف و قوة و إيمان .. و حدّد متي يجب الثواب و متي يحل العقاب .. و من يحتاج إلي المساعدة و الإصلاح و التغيير .. و من كذلك يجب التخلص من شروره و آثامه .. حينما يكون وبالا و خرابا علي إنتاج البشرية ..

و ليس هناك أجمل من سياق القصص القرآني في توضيح النماذج الثلاثة .. فلنقرأها و نتأملها مرة أخري :

( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما ، قلنا يا ذا القرنين ، إما أن تعذب و إما إن تتخذ فيهم حسنا . قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلي ربه فيعذبه عذابا نكرا . و أما من آمن و عمل صالحا فله جزاء الحسني ، و سنقول له من أمرنا يسرا . ثم أتبع سببا . حتى إذا بلغ مطلع الشمس و جدها تطلع علي قوم لم نجعل لهم من دونها شرا . كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا . ثم أتبع سببا . حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا . قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج و مأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا علي أن تجعل بيننا و بينهم سداً . قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم و بينهم ردما . ) (3)

ويعلق الأستاذ سيد قطب علي هذه الحكمة في التعامل مع فئات البشر المختلفة و أطباعهم المتباينة قائلا — (هذا هو دستور الحاكم الصالح . فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة و التيسير و الجزاء الحق عند الحاكم . و المعتدي الظالم يجب أن يلقي العذاب و الإيذاء .. و حين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه حسنا ، و مكانا كريما و عونا و تيسيرا ، و يجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة و إهانة و جفوة .. عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلي الصلاح و الإنتاج . أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلي الحاكم مقدمون في الدولة ، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون . فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب و أداة إفساد و يصير . يصير نظام الجماعة إلي الفوضى و الفساد . ) (4)

ذو القرنين — و الإنجاز الحضاري :-

إن نموذج ذي القرنين نموذج رائع كما قلنا للمثلث المتساوي الأضلاع في الإنجاز و العمل القائم علي معطيات هامة تدعم و تحمل أي بنيان حضاري .. متمثلة .. في العلم و الإيمان و العدل .. و كذلك القوة و الإنصاف و الحكمة .. و إلا فما معني أي حضارة و هي خاوية خالية من قيم العدل و الحكمة .. إنها خاوية علي عروشها بفعل الزمن و عبرة مرور الأيام و تلك سنن الله في الكون .

(أولم يسيروا في الأرض ، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا أشد منهم قوة و أثاروا الأرض و عمروها أكثر مما عمروها ، و جاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كان الله ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (5)

فاكتشاف سنن السقوط و النهوض من لوازم البناء الحضاري ، و إن شئت فقل : من لوازم الشهادة على الناس ، و التأهيل لقيادتهم ، و القدرة على اختيار و تمثل الموقع الوسط .

قال تعالي :

(و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا)(6)

لذلك .. نعود و نقول .. إن سيرة ذي القرنين نموذج إسلامي حضاري وسط يأخذ بالأسباب و المسببات و لا يغفل المقدمات عن النتائج من أجل النهوض و الإنجاز الحضاري .

فذو القرنين الذي أتاه الله من كل شئ سببا فأتبع سببا و كان له التمكين في الأرض لأنه عرف السنن و انضبط بها :

سار في الأرض و كانت مساحة رحلته من مشرق الشمس إلي مغربها ، و تعرف من خلال هذا السير إلي أسباب العجز الحضاري ، و التحديات و المعاناة التي تواجه البشر ، و أيقن بضرورة توفير الظروف و الشروط التي تكسبهم المنعة ، فكان أشبه بالمهندس الذي عرف أسباب التردي ، ووسائل التمكين ، في الأرض ، ووضع الخطط ، و أشرك الأيدي العاملة ، و استحضر المواد المطلوبة لإتمام عملية الإنجاز. (7)

لقد أنجز ذو القرنين إنجازاً حضارياً استحق أن يسجله القرآن ليكون عظة و عبرة لأمة الإسلام .. وليس المطلوب منهم أن يعرفوا زمان و لا مكان ذي القرنين .. و هل كان مقدونيا أم عربيا .. أم أفريقيا .. بل المطلوب هو الاستفادة من النتيجة ..

( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) .

و تأصيل المعني في النفوس .. و استلهام العبرة في السير على درب الإسلام الداعي إلى المجد و الإنجاز الحضاري .. فذو القرنين استفاد بالمقدمات و أحسن النتائج .. لأنه كان ملهما أوتي الحكمة و أسباب المنعة و القوة و دعا من معه إلي المشاركة و الإيجابية و عدم التواني أو الكسل .. و رسخ مبدأ الثواب و العقاب .. و أخذ بأيدي المتخلفين الضعفاء الذين ( لم نجعل لهم من دونها سترا ).

لقد ظهرت عبقرية ذي القرنين الهندسية في البناء الأخلاقي و البناء الاجتماعي و كذلك البناء الهندسي .. فتعامل بألمعية مع الناس على اختلاف مشاربهم و أفهامهم فاستحق أن يكون(ذي القرنين ) .. بمعني أنه امتلك ناصيتي المشرق و المغرب .. ولم لا يكون المعني أنه فهم و سبر غور و استحوذ علي ناصيتي الخير و الشر .. ولم لا يكون المعني كذلك أنه امتلك ناصيتي العلم و الإيمان .. يعضد بعضها بعضا في قوة و منعة و استحكام لا يمنع السقوط .. كحال السد العظيم الذي بناه بعلم و إيمان .. لا يسقط و لا ينهار إلا بإذن الله القوي الجبار .. الذي منحه هذه القوة و أيده بأسباب التمكين و حسن التفكير .

لقد ظهرت عبقرية ذي القرنين الهندسية عندما بني السد حيث بني خطاً من الاستحكامات العسكرية ذوب فيه الحديد و النحاس و الصخور ، أعلي بناءه ، و قوي أسفله ، و ساوي بين حافتي الجبلين ، و أنشأ بذلك حاجزا يصد الأعداء.

( فما اسطاعوا أن يظهروه و ما استطاعوا له نقبا ، قال هذا رحمة من ربي ) (8)

إنه إبداع في فهم الدنيا و الدين ، و ليس ابتداع كما قال شيخنا الغزالي فيهما أدي إلى الفوضى العقلية و الخلقية بين جماعة المسلمين .. و كأن ذي القرنين نجح في بناء سد .. ما اهتدي إليه إلا العلم الحديث مؤخرا - حال دون السقوط الحضاري للأمة نحتاج إليه من جديد لصد محاولات كشف عورات الأمة أعلي السد و أسفله !

ـــــــ

هوامش :

1 - دار الشروق / القاهرة 2002 ص 237 ، 238

2 - سيد قطب ، في ظلال القرآن ، دار الشروق ، القاهرة ، 2002 ج4 ، ص2293

3 - الكهف من 86 — إلي آخر الآيات

4 - المصدر السابق

5 - الروم / 9

6 - البقرة / 143

7 - د / عمر عبيد حسنة / مقدمه لكتاب ( أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق للدكتور / أحمد كنعان ) — كتاب الأمة / قطر / 1990 / ص 22 ، 23

8 - الكهف / 97 ، 98

 

اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)



تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو