يوماً ما قال الشاعر التونسي المناضل أبو القاسم الشابي :
إذا الشعب يوماً أراد الحياة . : . فلا بد أن يستجيب القدر
أجزم أن الشابي لم يكن يوماً ليتخيل أن هذه الإرادة التي امتدحها سَتَعْتَلّ ، أو أن عقلية استبدادية ستختط لنفسها أن تكون هي الحياة التي يريدها الشعب ، وفي نفس الوقت هي القدر الذي سيستجب لتلك الإرادة ..
عفواً يا سادة !! فقد دفعتني الحماسة إلى أن أدخل إلى مقالتي من النافذة ، وها أنا ذا أعود لأطرق الباب دخولاً إليها ..
في البداية أقول : لا بد أن نبارك لسيادة رئيس تونس ابن علي سلفاً توليه الرئاسة إلى أن يأتيه اليقين أعني الوفاة "ولو عُمِّرتَ ما عمِّرَ نوح" ، فالديمقراطية التي تخرج صناديقها تلك النسب الخيالية لا يحتاج عرابوها إلى إعادتها ثانية ، فمهما يكن فلن تقل نتائج الفرز لكل الانتخابات القادمة عن 51% البتة ..
أما اليقين السياسي فقد بلغه منذ عام 87 بانقلابه "الطبي !!" على السرير الأبيض الذي كان ينام عليه بورقيبة أيام مرضه ، ومنذ ذلك الحين لا تزال تحوطه العناية الديمقراطية في كل مرة تُجرى فيها الانتخابات في تونس الخضراء ، وفي كل مرة تلقي عليه بظلال البركة والنعمة ليتجاوز حصاده غالباً 9% من أصوات الناخبين ..
ففي انتخابات عام 1999 حصل سيادته على 99,44% من إجمالي أصوات الناخبين ، في انتخابات يزعم حزبه أنها كانت تعددية !! ، ولأن الشعب التونسي قد شك في كون هذه النتيجة الانتخابية صحيحة ، فقد لجأت السلطة التونسية في الانتخابات الأخيرة إلى مراعاة مشاعر الناخبين واحترام عقولهم فعمدت إلى جعل النتيجة الانتخابية 89,62% ، هكذا تحاك ديمقراطية زين العابدين ..
اتساءل أحياناً _ كغيري _ لم لا تظهر هذه الأرقام المضحكة إلاّ في عوالمنا العربية والإسلامية فقط ؟؟!! مصر وتونس واليمن وعراق البعثيين وسوريا الأسد وموريتانيا ولد معاوية وسلطة عباس الفلسطينية وإريتيريا والباكستان وافغانستان وإيران .. إلخ ، حتى بت أحسب أن رئيس أي دولة من دول شرق أوروبا أو من دول أميركا الجنوبية أو حتى من جنوب القارة الأفريقية لو سولت له نفسه أن يزور نتائج الانتخابات في بلاده ليفوز بجولة ثانية لاستحى من استيراد هذه النماذج الديمقراطية لدينا !!..
ولأن يبقى الإنسان من دون صوت يدليه _ في ظني _ خير له من أن يكون شاهد زور في انتخابات أدلى فيها بصوت يعلم أنه لن يؤخذ حسبانه ..
لقد وعد ابن علي التونسيين منذ اعتلائه الحكم بأن يقدم لهم نموذجاً سياسياً متطوراً !! فكان ما كان .. وليته لم يعدهم . فنموذج زين العابدين المطور حريص أشد الحرص على استبعاد عناصر المفاجأة في الحياة السياسية وذلك من خلال الاستمرار على إعادة انتاج الطبقة السياسية نفسها بعد كل عملية انتخابية !! .
كما ان نموذجه ذلك حريص على عدم إشاعة الفوضى التنافسية والتعددية من خلال إقصاء وقمع المعارضين الحقيقيين الذين يطمحون باستمرار أن يكون لهم صوت داخل مجالس الدولة النيابية ، واستبدالهم بأحزاب معارضة صورية تؤمن بمباديء الحزب الحاكم أكثر من الحزب الحاكم نفسه !! على غرار حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي وحزب الوحدة الشعبية الذين أتيح لهما المشاركة في انتخابات الرئاسة .. وقبل بدء الاقتراع الأخير لم يكن مفاجئاً أن يظهر عراب الديمقراطية التونسية على شاشات التلفزة ليتوعد بالضرب بيد من حديد على كل من يشكك في نزاهة الانتخابات ، فتلك الأرقام الفلكية يستحيل أن تصدر عن تزوير في نتائج الانتخابات ، ذلك أن التزوير الانتخابي يتم على عدد من الأصوات ، كالذي حصل في الانتخابات الأخيرة في إيران ، وكذا الذي يحصل حالياً في أفغانستان _ لاحظ أنهما دولتان من عالمنا الإسلامي !_ وذلك لترتفع نتيجة أحد المرشحين على البقية بما يضمن له كرسي الرئاسة مرة أخرى ، أما ما حصل في نتائج تونس فالتزوير منه بريء براءة الذئب من دم يوسف ..
لكن الغريب في الأمر أن الرد على هذه الديمقراطية الإقصائية والمهيمنة على إرادة التونسيين جاءت لابن علي من وجهة لم يتوقعها ، فقد صرح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية : أن الولايات المتحدة الأمريكية استبد بها القلق من عملية الاقتراع في تونس وتوجس بها الريب من نتائجها !! ، خاصة وأن المتحدث كيلين أخبر بأن تونس رفضت حضور لجان رقابية دولية لمتابعة سير العملية الانتخابية _ من باب أن النزيه لن يرضى بأن يشكك أحد في نزاهته _ ، فضلاً عن ذلك ما قامت به السلطات الأمنية التونسية من مضايقات للوكالات الإعلامية ومن ملاحقات للإعلاميين الذين حاولوا تغطية الانتخابات بصورة مستقلة عن الإعلام الحكومي .
هنا يتبادر سؤال ساذج يقول : ماذا سيفعل الرئيس بقبضته الحديدية أمام الانتقاد اللاذع والفضيحة المجلجلة من قبل الولايات المتحدة مصدِّرة الديمقراطية إلى العالم الثالث ؟ هل سيجرؤ بأن يحركها من مكانها ؟ .. عندها أجزم بأنه سينال من الشعبية على مستوى العالم العربي والإسلامي ما يتخطى به كل الزعامات الحالية بل وحتى عبدالناصر في الستينات !! ولن يحتاج بعدها إلى عناء إجراء انتخابات وحبك سيناريو النتائج أو حتى عمل تعديلات دستورية تضمن ترشحه للمرة المائة !! لكنه بالطبع مستحيل ..
إن ديمقراطية زين العابدين أوقعت تونس في حالة من الجمود السياسي والاجتماعي بعد أن كانت على مدى قرون طويلة من التاريخ الإسلامي منارة سياسية وعسكرية وعلمية تصل ما بين جناحي العالم الإسلامي شرقه وغربه ، وما القيروان بتاريخها المجيد إلاّ دلالة على ذلك ..
لقد غيبت ديمقراطية زين العابدين تونس عن المشهد السياسي في العالم العربي فلا تكاد تسمع لها صوتاً أو تقرأ عنها خبراً ، ودخلت في حالة من الانعزال والانطوائية عن العالم العربي أثرت على هويتها وقيمها العربية والإسلامية ، وجعلها تبدو في جانبها الاجتماعي مسخاً أوروبياً يحاول جاهداً أن يُلحق نفسه بالركب الأوروبي في حين أن أوروبا تتبرأ منها ..
لسنا ننكر ما يقال عن تحسن المستوى المعيشي في تونس مقارنة بالكثير من الدول العربية ، لكن المال ليس كل شيء ، وحق الإنسان في أن يدلي برأيه يوازي حقه في الطعام والشراب والعلاج والتعليم ، وإلاّ ..
فلنبعد أوهام الديمقراطية عن حياة الناس ، ولا نغرر بهم ولتمض الحياة كما كانت من قبل .. سنسمع بين الفينة والأخرى في قابل الأيام عن انتخابات رئاسية تقام في بعض الدول العربية ، فهل سنسمع عن نماذج جديدة من الديمقراطية في مصر مثلاً كما سمعنا عن ديمقراطية زين العابدين في تونس ..
اللهم إني أعوذ بك من الشياطين ومن ديمقراطيات مثل ديمقراطية زين العابدين .

