ابحث عن : بحث متقدم

القلم » قضايا المرأة...
أبوشقة .. والشجا يبعث الشجا
03-10-2009
"...من المؤاخذات المنهجية .. أنه يعيب على مخالفيه تقليدهم وتعصّبهم وتركهم للأخذ من الدليل مباشرة كما هو سيفعل في كتابه، ولما جاء لنصوص تحريم سفر المرأة بلا محرم، وهي نصوص صحيحة وصريحة تعامل معها بأن ردّها وأخذ برأي بعض الفقهاء المجيزين لسفر المرأة..."

أثارتني كليمات أحد الإخوان عن كتاب أبي شقّة، وأعادت ذكرياتي مع هذا الكتاب قبل عدّة سنوات، وقد أيقنت حينها أن كلّ من يبهر ويعجب بخاصيّة جمع النصوص في كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة" فهو يشهد على نفسه ويختم في أسفل هذه الشهادة أنه بعيد كلّ البعد عن الممارسة الفقهية والمعرفة الشرعية البسيطة، فطريقة أبي شقّة في جمع النصوص قائمة على حشر وجمع وحشد كلّ ما له علاقة وما ليس له علاقة، المهم أن يجمع أكبر قدر من النصوص من قبيل: المرأة تسلم على الرجل، والرجل يسلّم على المرأة، وهي تردّ عليه السلام، وتركب البعير، وتنزل من البعير، وتدخل المسجد، وتعلن إسلامها، وتسأل الرسول عليه السلام، وتدعو إلى الله، وتصلّي الجمعة والجماعة والعيدين، الخ الخ والمكاثرة بمثل ذلك .. !

إلى أمثال هذه الأحكام التي يسوق فيها النصوص والروايات وهي من المسائل التي لا يكفي أن أقول إنها خارج محلّ النزاع، بل إنها من الأحكام التي لا يكاد يفكّر فيها طالب علم ولا تحوم في خلد أحد من أهل هذا الزمان، فالإعجاب الرهيب بأبي شقّة جاء بواسطة هذه الطريقة التي مارسها على هؤلاء فاستقامت معهم لغلبة الهوى.

هذه واحدة. والثانية .. أن أبا شقّة يسوق النصوص بلا تحرير ولا تمحيص .. فهو يورد جميع النصوص المتعلّقة بالمرأة بلا تمييز بين ما يدلّ على قوله وما لا يدلّ .. وبين ناسخ أو منسوخ .. بل إنه يمارس طرقاً مضحكة في الاستدلال، سأضرب لك منها مثلين:

الأول: أنه يستدلّ على نصوص تحديث أمهات المؤمنات للناس وإجابتهم للأسئلة وروايتهم للأحاديث على الاختلاط .. ولما جاء لحديث عائشة في الصحيح أنها لم تكن تطوف إلا منفردة جعل ذلك خاصّاً بها لأنها من أمهات المؤمنين ولا يجوز لها أن تطوف مع الرجال .. فأين ذهبت إذن الأدلة السابقة عن حديث أمهات المؤمنين وفتياهم .. لا أدري!

الثاني: أنه يسوق نصوصاً يستدلّ بها على الاختلاط .. وهذه النصوص تدلّ على الاختلاط وغيره .. فيأخذ منها جواز الاختلاط .. ويشترط شروطاً غير موجودة في الحديث بل إن الحديث ينافي هذه الشروط: فلمّا جاء لحديث أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها ودخول النبيّ صلى الله عليه وسلم وتفليتها لرأسه عليه السلام .. استدلّ بها على الاختلاط ، مع أن الحديث إذا كان سيستدلّ به على هذه الطريقة فهو يدلّ على الاختلاط والخلوة ومسّ المرأة للرجل ، وأبو شقّة أخذ فقط من الحديث الحكم الأول وترك الباقي بل ينصّ على حرمته، وهذا تلاعب في الاستدلال، فإذا نظرت في الحديث فتوصّلت فيه إلى حكم ما فيجب أن يكون شاملاً لكلّ ما يدلّ عليه الحديث إلا بسبب، لا أن يأخذ الإنسان ما يشاء ويدع ما يريد.

والثالثة : أنه يسوق النصوص الواردة في الحالات الاستثنائية كأصل يتمسّك به لنقض النصوص الشرعية الثابتة .. فيورد نصوص هجرة المرأة بدينها من بلاد الكفّار وسفرها في الجهاد للعلاج وسفرها للحج .. ونحو هذا.وهذا يبين أن الحشد قائم على الجمع لا غير.

والرابعة: مما تسقط به قيمة جمع أبي شقّة .. أن أبا شقّة بعد جولة مضنية من البحث تعرّض لحكم كشف المرأة لساقيها عند الحاجة وألحق بها أيضاً كشفها لذراعيها فيما أظنّ وذلك للحاجة-وما أدري ما حاجة كشف الذراعين والساقين إلا إن كانت مهنة المرأة على وظيفة طرزان - الشاهد إنه قال إنها مسألة بحاجة لبحث واجتهاد .. فعجبي ما قيمة جمع النصوص في فقه أبي شقّة إن كان هذه المسألة ما زالت بحاجة إلى اجتهاد ولم تصل بعد إلى حمى النصّ الشرعي، فإذا كانت كلّ النصوص التي جمعها أبو شقة لم توصله بعد إلى أن هذه المنطقة داخلة في سياج النص الشرعي فمعناه أن الجمع كان حشداً وحشراً لا قيمة له.

من المؤاخذات المنهجية .. أنه يعيب على مخالفيه تقليدهم وتعصّبهم وتركهم للأخذ من الدليل مباشرة كما هو سيفعل في كتابه، ولما جاء لنصوص تحريم سفر المرأة بلا محرم، وهي نصوص صحيحة وصريحة تعامل معها بأن ردّها وأخذ برأي بعض الفقهاء المجيزين لسفر المرأة؟ وفي ولاية المرأة العامة .. ترك النصوص ولم يتمسّك برأي أحد من الفقهاء ونقل رأي بعض الفقهاء المعاصرين وجعله أساس تجويزهم للمشاركة السياسية للمرأة؟ فهذه نصوص صريحة صحيحة ساقها أبو شقّة ولم يعمل بها. وجاء بنصوص أفضلية صلاة المرأة في بيتها فعطّل دلالتها. فما فائدة حشر النصوص وحشد الروايات إذا كان الكاتب سيعطّل الأحكام الشرعية ذات الدلائل النصيّة الواضحة؟ كلّ هذا يهون عند أكبر إشكالية وقع فيها أبو شقّة ، ويقع فيها كلّ من يوقف نفسه في سبيل تهوين شعيرة الحجاب في نفوس المؤمنات، وهو أنه سيقف في وجه سنّة شرعية مجمع عليها، فإذا كان ثمّ خلاف فهو في (وجوب ستر الوجه أو استحبابه؟) ، أما المشروعية فهو مشروع بالاتفاق الذي لا يشكّ فيه أحد، ومن يلاجج في هذه القضية لابدّ أن يسوق مبررات السفور ويحسّنه ويذكر بعض مزاياه ويضع بعض المنفّرات من غطاء الوجه .. هذه جادّة لا بدّ أن يركبها كلّ من يتكلّم في هذه القضية بطريقة أبي شقّة وطريقة الجماعة الصحفية في بلادنا الإسلامية.

وبالتالي .. فالقوم يحاربون سنّة الرسول، ويطعنون في شرعه، ويحسّنون أمراً قد حسّن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم خلافه، وهذا مزلق خطير لا يفطن له الصحفيون فيصل بحال أحدهم أن يكتب إن تخلّص المرأة من حجابها هو سبيل تطورّها ويتوقّع أنه بهذا الكلام على رأي بعض الفقهاء! قد تفطّن أبو شقّة لهذا اللازم .. وشعر بأن كلّ مطولاته في تحسين السفور ستصدم بإجماع ونصوص قاطعة على أنه غير حسن في الشريعة، فما ذا صنع؟ أفرد فصلاً خاصّاَ بهذا .. وكنت أظنه سيضع مخرجاً شرعياً له من هذه الممارسة تريح ضميره ..

والمفاجأة أن الفصل هذا لم يتجاوز 8 صفحات فقط ، لم يذكر فيها آية أو حديثاً أو أثراً ولا حتى قول عالم واحد فقط يقول بأن ستر الوجه ككشفه سواء بسواء، فقط نقل عبارة للقاضي عياض ختم بها الفصل ليوهم أن القاضي عياض يقول بإباحة كشف الوجه وبالتالي فالقضية ليست بمتفق عليها بل هي خلافية ، العبارة فحواها على ما أتذكر (واتفقوا على وجوب حجاب الوجه لأمهات المؤمنين واختلف في ندبه فيمن عداهن) أجزم أن أبا شقة لو عثر على قول فقهي آخر لم يحتج لهذه العبارة المجملة التي لا تدلّ على أن القاضي عياض يرى أن الخلاف هل هو مندوب أو مباح، بل هي قطعاً بل هو مندوب أو واجب، لأن القاضي عياض يحكي الخلاف ولا يعبّر عن رأيه والخلاف الفقهي هو هذا، بل والقاضي عياض له نص صريح على أن ستر الوجه مشروع بالإجماع.

من المهم أن أذكر أن أبا شقّة لا يجيز الاختلاط مطلقاً بل يشترط الأمن من الفتنة، وأن لا يكون لقاء متكرّراً، بل إنه يرى وجوب الفصل في بعض اللقاءات.

وهذه النقطة يصدق عليها ما يقوله الجدليّون .. بأنه كرّ على الأصل بالنقض. فكلامه هذا يكرّ على قواعده التي بناها فيسوّيها بالأرض. لأنه إن كان الاختلاط هو سمة مجتمع الرسالة، وإذا كانت النساء في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يعشن حياتهم مع الرجال بلا حواجز ولا فصل وأن كلّ ذلك رأي حادث واجتهادات فقهية متشدّدة. فما حاجتنا إذن لشروط الأمن من الفتنة وبقية الضوابط؟ لأن لقاء النساء بالرجال سيكون فقهاً من باب لقاء الرجال بالرجال، ومن المعلوم أنه يجوز مطلقاً، ولو وجدت هذه الفتنة فهي سلوك فردي لا يمكن معرفته، فلا يقال بمنع الرجال من بعضهم البعض، وإنما يكون ذلك سلوكاً فردياً يراقب العبد فيه ربّه، ولازم قول أبي شقة أن يكون لقاء النساء بالرجال من هذا الباب، فإذا أدخل الضوابط والقيود نقض أصله أولاً، وكافّة النصوص التي يسوقها للاختلاط لا تدلّ على هذا القيد وبالتالي فمن صحّة استدلاله أن لا يأتي بقيد يخالف دلالة النصوص التي استفاد منها حكم الاختلاط.

وثانياً: فإن هذه الضوابط هي عين ما يراه جماهير الفقهاء ويعتمدونها سبباً لمنع الاختلاط، لأنهم يعرفون أن الأمن من الفتنة لا يمكن أن يكون في مجتمع مختلط وفي لقاءات متكرّرة تزول معها الحساسية والتحفّظ، فالأمن من الفتنة يتصوّر في الاجتماع الضروري حين تكون غلبة الضرورة شاغلة للإنسان عن صوارف أخرى، ولو لم تشغله فتحقيق الضروري مقدّم على مراعاة هذا، ويتصوّر في اللقاءات العارضة التي لا تتكرّر .. أما في اللقاءات المستمرة المتكرّرة والتي تتقارب فيها الأنفس والأنفاس كمقاعد العمل والدراسية فهي أشدّ عند كافة العقلاء من الخلوة ذاتها والتي أجمع على تحريمها، ومن يقول بجوازها بشرط الأمن من الفتنة كمن يجيز وضع اليد في النار بشرط سلامتها من الاحتراق. رحمه الله وعفا عنه، ما كان أغناه عن مثل هذا الكتاب.

(ملحوظة: الغريب أن كتاب أبا شقّة ليس له ذاك الحضور في المناقشة والعرض والنسبة في الدراسات العلميّة عن المرأة والاختلاط والولاية العامّة)

 



أوصي بما أوصيت به | أبوالبراء يقول...
تمنيت أن أحصل على نسخة من كتاب أبي شقة رحمه الله، حيث كان ممنوعاً من دخول المملكة حسب علمي، وبالفعل أهدي إلى أحد الزملاء نسخة منه، كان ذلك قبل حوالى عشر سنوات، لكني مع الأسف لم أستطع قراءته كله لكثرة الأشغال، وتمنيت بعد أن تصفحته أن أقرأ نقداً موضوعياً للكتاب، بعيداً عن كلام المادحين أو المجرحين بإطلاق.
وقد سعدت كثيراً بمقالة الأستاذ فهد العجلان هذه، لا موافقة له في كل ما قال، ولا مخالفة له أيضاً، فقد وفق من وجهة نظري في بعض النقاط، وجانبه الصواب في أخرى حين وأتمنى أن أقرأ نقداً موضوعياً شاملاً من الكاتب الكريم أو من غيره، وأفضل شيء جذبني إلى الكتاب حسن التبويب والتصنيف وجمال العرض، وهي حسنة تسجل للمؤلف من وجهة نظري، لا كما ذكر الكاتب الكريم.
أرى أن نتحرر من دائرتي الإعجاب المطلق أو الذم المطلق، وهو داء لم يسلم منه كثير من الباحثين مع الأسف، فإلى جانب المعجبين بالكتاب وما أكثرهم أذكر قول أحد الشانئين له من الزملاء الذي قال: لولا ما فيه من نصوص الوحيين لجعلت هذا الكتاب تحت قدمي (أكرمكم الله)
أضم استغرابي إلى استغراب الأستاذ فهد العجلان في عدم عناية المختصين بهذا الكتاب بالنقد والنقاش!!


اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)



تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو