ابحث عن : بحث متقدم

القلم » النص والتأويل...

قيم هذه المادّة:
2.67 من 5 (3 صوت)

العلمانيون بين النصوص و المقاصد
19-8-2009
"...وهكذا نعلم أن النص الجزئي و المقصد الكلي معتبران و مقصودان في التشريع الإسلامي , فالجزئي يعمل لإقامة الكلي ، والكلي يعمل من خلال الجزئي , وكذلك هي الشريعة الإسلامية نهجٌ متكامل , و منهجٌ مترابط , و نظامٌ شامل..."

من يفحص و يرصد الواقع العلماني و خاصة منهم الذين يحاولون التقريب بين أفكارهم المستوردة و بين الشريعة الإسلامية , يجدهم يكثرون من التشويه و التلفيق في كتاباتهم و أطروحاتهم الفكرية التي تحاول تفكيك المفاهيم و القيم الإسلامية في بنية النسيج الاجتماعي الإسلامي , و استبدالها بنسخٍ ملفقةٍ من الاتجاهين الإسلامي و العلماني , أملاً منهم في صُنع نماذج معرفية علمانية تساعدهم على تحقيق طموحاتهم و أمنياتهم , فبعد أن يتم ترشيد السلوك و الوجدان الإنساني عبر زخمٍ تغريبي علماني متعدد القنوات , يحكم الناس من خلال ذلك الترشيد العلماني على المفاهيم و الأنظمة الوافدة بأنها من مفردات الحقل المقاصدي الإسلامي عندهم .

بهذا الأسلوب نجد العلمانيين يتعاملون مع مقاصد و كليات التشريع الإسلامي , بحيث يجردون المقاصد و الكليات من جزئياتها و أنظمتها الشرعية , فيفرغون المقصد الكلي من نظامه و جزئياته , فيكون التوجه و الطلب إلى المقصد الكلي المجرد دون التوجه و الطلب إلى الجزئيات , ثم يجعلون ذلك المقصد الشرعي في نظام ٍ غير نظامه الأصلي , لكي يضفوا على النظام العلماني المستورد ثوباً إسلامياً خالياً من الاعتراضات , فلنضرب مثالاً توضيحياً لذلك , نجد أن من مقاصد التشريع في النظام السياسي الإسلامي ( الحرية ) كما ذكر ذلك ابن عاشور في مقاصده , حينئذ يتعامل العلمانيون مع هذا المقصد الكلي ( الحرية ) بطريقة تخرجه من نظامه السياسي الإسلامي ليجعلونه في نظامٍ ديمقراطي لا يمس للإسلام بأي صلة , فيدّعون بعد ذلك أن الديمقراطية وسيلة إسلامية تحقق المقصد الكلي للشريعة , وهكذا يتم تشويه المقصد الكلي , وتُستبعد النصوص الجزئية الموصلة إليه .

و لنفهم العلاقة المتبادلة بين النص الجزئي و المقصد الكلي , ينبغي أن نطرح سؤالاً , و هو إذا خرج المقصد الكلي من نظامه و جزئياته الشرعية إلى أنظمة و جزئيات أخرى , فهل يُطبق ذلك المقصد على أرض الواقع تطبيقاً صحيحاً أم لا ؟

إن الإنسان العاقل يستطيع أن يدرك الكليات و المقاصد التي تُسعده و تعينه في حياته الدنيا , من مثل العدل و المساواة و الحرية وغيرها , لكنه لا يستطيع وضع تلك المقاصد و الكليات في أنظمة و جزئيات تحققها بطريقة صحيحة خالية من الأخطاء و التجاوزات البشرية المعتادة , ثم إن الكليات لا تعمل في الفراغ فهي كامنة في الأذهان وليس في الواقع الخارجي , وإنما تعمل من خلال أنظمة و جزئيات تجعل ذلك المقصد الكلي ممكناً و واقعياً , وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يجعل الكليات في أنظمة خالية من التجاوزات البشرية المعتادة , أنزل الله له الدين الإسلامي مكتمل البنيان , شاملاً للجزئيات الموصلة للمقاصد و الكليات .

وفي هذا السياق يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله - ( . . . أن الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي ؛ لم يصح الأمر بالكلي من أصله , لأن الكلي من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه , لأنه راجع لأمر معقول لا يحصل في الخارج إلا في ضمن الجزئيات , فتوجه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق , فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات . . . فانحتم القصد إلى الجميع , وهو المطلوب ) (1) والعلمانيون أثناء طرحهم لأفكارهم يستندون للإمام الشاطبي - رحمه الله - جهلاً منهم بنصوصه , و تدليساً عليه , و ذلك بسبب اهتمامه رحمه الله بالمقاصد الشرعية أكثر من غيره من العلماء , ثم يهجمون على الإمام الشافعي- رحمه الله - لاهتمامه بطرق الاستدلال من النصوص الجزئية التي تقيد و تضبط استدلالاتهم المنحرفة فلا يستطيعون الخروج عنها .

وهكذا نعلم أن النص الجزئي و المقصد الكلي معتبران و مقصودان في التشريع الإسلامي , فالجزئي يعمل لإقامة الكلي ، والكلي يعمل من خلال الجزئي , وكذلك هي الشريعة الإسلامية نهجٌ متكامل , و منهجٌ مترابط , و نظامٌ شامل , يهتدي به الناس في دروب حياتهم الحالكة و المتعبة فينير الله لهم السُبل و الطرق .

------------------

(1) الموافقات ج 2 ص 96-97 .

 

اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)



تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو