المقدمة
حقا إن سنة الله لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي أحدا ، فما بني علي باطل فهو باطل ، والله عز وجل هو خالق الإنسان وهو أدري بما يصلحه وما ينفعه في دنياه وآخرته ، والإنسان مهما ازداد في العلوم والمعارف ومهما اخترع من قوانين وآليات لإصلاح حال البشر فجهده قاصر وسعيه مبتور، لأن ما يجهله في هذا الكون أكثر مما يعرفه ، وما يغيب عنه أوسع مما يدركه .
بين عشية وضحاها حدث ما لم يكن متوقع، حيث بدأت حبات عقد أعتي أيديولوجية علي وجه الأرض في الانفراط حبة حبة ، ولأول مرة أصبحت هناك الجرأة علي نقد الليبرالية بعدما كان من المحرمات بل من المهلكات الكلام بأقل القليل عن الليبرالية ، وكأنها أقدس أيدلوجية عرفها بني البشر.
كان من السهل على الليبراليين من بني جلدتنا أن يقدحوا في كل ما هو مقدس عندنا ، لكن عندما يقترب الكلام من جناب الليبرالية كانت الأسلحة توجه فى وجه المتحدث مهما كان وضعه ، والاتهامات بالجهل والتخلف والإرهاب وغيرها ... جاهزة ومشرعة أمام المتكلم .
وهذا الكلام ينطبق علي ما أخرجته قريحة البشر من الأيديولوجيات والتشريعات ومنها " الليبرالية" فكنا علي موعد مع الأزمة الاقتصادية الجارفة التي تمر بها كل دول العالم الآن والتي سببها يرجع في الأساس إلى ترك العنان والحرية المطلقة لبني البشر أن يفعلوا في الأموال والثروات ما يشاءون ، فكانت الليبرالية وتطبيقاتها الاقتصادية هى السبب فيما يمر به العالم من أزمة خانقة وذلك باعترافات أربابها ومنظريها، وتمثل الحل عند أكثر الاقتصاديين الغربيين علي دراسة الاقتصاد الاسلامي وتطبيقه وتجريبه عندهم .
ولعل ذلك يدفعنا دفعا إلى سبر غور "الليبرالية" ومعرفة حقيقتها وآلياتها ، لنعرف كيف سقط المارد وكيف هوت تلك الأسطورة التي لن يكون لها علي الأقل تلك الهيبة والهيمنة والإحترام والتقديس لدي منظريها قبل شانئيها ، وهذا يعتبر أعظم مكسب للإسلام والمسلمين .
تعريف الليبرالية :
هي مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في السياسة والاقتصاد ، وينادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله ، حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهب وأفعاله، وقد اختلفت وتعدد التعريفات لليبرالية وذلك بسبب أنهم لم يتفقوا على آلية محددة لتطبيقها في الواقع .
فالليبرالية (LIBERALISME) : كلمة لاتينية ، اشتقت من كلمة LIBER ، التي تعني الحُر ، وغير المقيد بقيود ، وغير الملتزم بأي التزام ، ف ليبر الحر واللبرالية الحرية المطلقة ، غير المقيدة بقيود . جاء في الموسوعة الميسرة: "الليبرالية: مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي" .
أي معناها: التحرر التام من كل أنواع الإكراه الخارجي: دولة، جماعة، فردا؛ ثم التصرف وفق ما يمليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاقة والانفلات نحو الحريات بكل صورها : مادية، سياسية، نفسية، ميتافيزيقية (عقدية( . كما جاء في موسوعة لالاند الفلسفية تحت مادة (LIBERALISME): : "المعنى الفلسفي الحق للحرية هو: الانفلات المطلق، لا بغياب النزوع، بل بالترفع فوق كل نزوع وكل طبيعة. (ج.لاشلييه)".
وقد عرَّفها المفكر اليهودي (هاليفي) بأنها: «الاستقلال عن العلل الخارجية، فتكون أجناسها: الحرية المادية والحرية المدنية أو السياسية، والحرية النفسية والحرية الميتافيزيقية (الدينية)» وعرفها الفيلسوف الوجودي (جان جاك روسو) بأنها: «الحرية الحقة في أن نطبق القوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا». وعرفها الفيلسوف (هوبز) بأنها «غياب العوائق الخارجية التي تحد من قدرة الإنسان على أن يفعل ما يشاء»
وهكذا نرى أن تعريفات الليبرالية تُجمِع على أنها انكفاء على النفس مع انفتاح على الهوى؛ بحيث لا يكون الإنسان تابعاً إلا لنفسه، ولا أسيراً إلا لهواه، وهو ما اختصره المفكر الفرنسي (لاشييه) في قوله: «الليبرالية هي الانفلات المطلق»كما سبق .
ونظراً لكون الحرية مفهوماً عاماً يوصل إلى التعارض والتنازع بين الحريات المتناقضة فإن هيمون يتمنى أن توضع الليبرالية في مقابل النظرية الانفلاتية, وهذا تغيير لمفهوم الحرية (الانفلات) " وعندئذ يمكن أن تكون الأولى (الليبرالية) معتبرة بوصفها النظرية الأخلاقية والسياسية التي تتوق إلى حرية الفرد أيما توق , وتحدّ في الوقت نفسه من المطالبة أو الحصول على هذه الحريات عندما تغدو إباحيات مضرة بالآخر( بمعنى إعلان الحقوق) في المقابل يمكن للنظرية الانفلاتية أن تكون صورة للفردية التي لاتعترف بأي حد مألوف وقانوني للحرية الفردية فهي وحدها الحكم على حقوق الفرد وفقاً لقوته" .
ويذكر في الموسوعة الفلسفية العربية: أن الليبرالية في الفكر السياسي الغربي نشأت وتطورت في القرن السابع عشر، وأن لفظتي: "ليبرالي" و "ليبرالية" لم تكونا متداولتين قبل بداية القرن التاسع عشر، وأن كثيرا من الأفكار الليبرالية موجودة في فلسفة جون لوك السياسية، فهو أول وأهم الفلاسفة الليبراليين. وبحسب هذه المفاهيم والمعادلات والنتائج يمكن أن نصل إلى تحديد أدق لحقيقة الليبرالية بأنها تعنى: الاستقلالية التامة للفرد، بالانكفاء على النفس، والتحرر من سلطة الغير، ثم الانفتاح على قوانين النفس والانفلات معها عند بعضهم، دون بعضهم الذي يرى الحرية في التحرر من شهوات النفس.
ويقابل الليبرالية مجموعة من المصطلحات المناقضة لمفهوم الحرية بالمعنى الليبرالي مثل الاستبدادية autocrtisme, والحكومة الأوتوقراطية هي الحكومة الفردية المطلقة المستبدة , و autocratic أي حاكم استبدادي . والحقيقة أن التعريف الدقيق لهذا المصطلح هو تعريفه بحسب المجال الذي يعرف من خلاله, نعرفها على النحو التالي : ليبرالية السياسة , وليبرالية الاقتصاد , وليبرالية الأخلاق ... وهكذا . وهذا ما قامت به موسوعة لالاند الفلسفيّة .
فالليبرالية السياسية تقوم على التعددية الأيدلوجية والتنظيمية الحزبية، وهي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في أسبانيا في عام 1812، ولكنها قامت كأيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع السوق. وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون" أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.
والليبرالية الفكرية تقوم على حرية الاعتقاد ؛ أي حرية الإلحاد ، وحرية السلوك ؛ أي حرية الدعارة والفجور ، وعلى الرغم من مناداة الغرب بالليبرالية والديمقراطية إلا أنهم يتصرفون ضد حريات الأفراد والشعوب في علاقاتهم الدولية والفكرية . وما موقفهم من الكيان اليهودي في فلسطين ، وموقفهم من قيام دول إسلامية تحكم بالشريعة ، ومواقفهم من حقوق المسلمين إلا بعض الأدلة على كذب دعواهم ().
والليبرالية الفكرية تعد أساساً لليبرالية السياسية، فهي تؤصل منذ نشأتها للفوضي الفكرية، ولهذا فإن كل ما يبنى فوقها من منشآت سياسية يؤول أمره إلى الفوضى، وثورة الليبرالية على الدين وثوابته لا تلبث أن تتحول إلى ثورة على السياسة ومسالكها.
وتجيء الليبرالية الدينية، أو(الميتافيزيقية) كما يسمونها أحياناً، لتكون عاراً على كل من يتبنى الليبرالية ممن يدعي احترام المبادئ الإنسانية فضلاً عن القيم الإسلامية، فالليبرالية الدينية، أو التعددية الدينية تسعى إلى نمط من الفكر الديني، لا يتقيد بأية قواعد، ولا يستند إلى أية مرجعية، بل يستند إلى حرية الإنسان في اختيار الإله الذي يهواه، ولو عبد كل يومٍ إلهاً.. ولو لم يعبد إلهاً على الإطلاق إلا هواه.
والليبرالية الدينية تقوم على فكرة نسبية الحقيقة، وترِّوج لمقولة: لا دين على الإطلاق يحتكر الصواب.
ولهذا كانت الليبرالية الدينية دائماً هي الأداة الخادمة والدافعة لبقية الليبراليات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ لأن الليبرالية الدينية تهدم أولاً القواعد، وتزيل الحواجز، لينطلق (البناؤون الأحرار) بعدها في تشييد أبنية الضلالة على أسس الغواية، كل ذلك على خلفية إلغاء الخصوصيات الثقافية، وتدمير مفهوم (المقدس) وتبديله بمهفوم (النسبية) في الحقائق والعقائد والقيم لإزالة الثبات عنها، حتى لا يبقى هناك مجال لأصول تبنى عليها الهوية، أو ترتكن إليها القيم.
وتأتينا الليبرالية الاقتصادية )الرأسمالية( بوجهتها الانتهازية ونكهتها اليهودية؛ إذ تقـوم منذ وضع أسسها )آدم سميث 1723 ـ 1790 ) على المصلحة، أو (الأنانية(، فهي المحرك الوحيد للنشاط الإنساني كما يقول، ولا ينبغي أن يوضع أمام المصلحة أي قيد، وهو ما عبر عنه بقوله: (دعه يعمل، دعه يمر)؛ فالاقتصاد لا ينظمه حسب النظام الرأسمالي إلا قانون العرض والطلب وقوانين الطبـيعة البشـرية، دون أي قيود أو ضوابط. وتقوم فكرة الليبرالية الاقتصادية على منع الدولة من تولي وظائف صناعية، ولا وظائف تجارية، وأنها لايحق لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم.
ويعد آدم سميث هو المنظر لهذه النظرية الليبرالية الاقتصادية: "فقد افترض أن المحرك الوحيد للإنسان، والدافع الذي يكمن وراء كل تصرفاته الطوعية، هما الرغبة في خدمة مصالحه وإرضاء ذاته (وسميث هنا يشارك هوبز في نظرته إلى الإنسان ككائن أناني)، واعتبر سميث أن الاقتصاد تنظمه قوانينه الخاصة، كقانون العرض والطلب، وقوانين الطبيعة الإنسانية، وكانت لدى سميث قناعة تامة أن هذه القوانين إذا ما سمح لها بأن تأخذ مجراها دون تدخل من الدولة، تقوم بمهمتها على أكمل وجه، فتخدم مصلحة المجتمع ككل، وتخفف رغبات الفرد، وقد يبدو أن هذه القوانين جاءت نتيجة تصميم مصمم، أو أنها تشكل نظاما غائيا متعمدا، ولكنها ليست كذلك، أو على الأقل هذه هي قناعة سميث.
وهكذا أدخل سميث مبدأ الاقتصاد الحر (تنافس حر، في سوق حرة) في مفهوم الليبرالية" .
والليبرالية كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع لم تتبلور على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي.
ففي الجانب السياسي يعتبر جون لوك (1632-1704م) أهم وأول الفلاسفة إسهاما، وفي الجانب الاقتصادي آدم سميث(1723-1790م)، وكذلك كان لكل من جان جاك روسو ( (1712-1778م) وجون ستيوارت مل (1806-1873م) إسهامات واضحة.
نشأة الليبرالية :
كثر استعمال الكلمة في أوربا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وهما قرنا الصراع بين الكنيسة ( السلطة الكهنوتية ) والعلوم المادية والمكتشفات العلمية .
فقد كانت الكنيسة تطارد علماء المادة ومكتشفي خصائصها ، في كل بقاع أوربا ، ولم تكن تسمح لأحد بالخروج عن منهجها ، فحين أتى جاليليو وزميلاه بنظرية كروية الأرض بالأدلة والبراهين المادية ، قامت قيامة الكنيسة ، وطاردت الثلاثة ، فمنهم من فَرَّ ، ومنهم من آثر السلامة ورجع عن نتائجه ، وكذبها ظاهراً ، ومنهم من سلخته الكنيسة ونزعت جلدَه حيا حقيقة وواقعاً .
فالحرية التي أرادها القوم هي الحرية من تسلط الكنيسة على الأفكار والمكتشفات ، وإني اجزم في ضوء ما درست من تاريخ الكنيسة وكتابها المقدس ، بأن العلماء وعامة الناس كانوا مضطهدين في أفكارهم ، وفي ممتلكاتهم ، وفي أزواجهم ، وفي أولادهم وبناتهم ، وفي تشريعاتهم وتقنينهم ،حتى فيما يأكلون ويشربون.... ، اضطهاد له جذور يعود امتدادها إلى أكثر من ألف عام .
وكان هذا الاضطهاد مبنيا على انحراف عقدي ، من أن عيسى احد الأقانيم الثلاثة للإله ، وأنه صاحب الصلاحية المطلقة في الكون ، وأنه وهب تلك الصلاحيات إلى الكنيسة ، فهي وريثة المسيح ، ولها ما كان لعيسى من القداسة والسلطان .
فالغرب أراد التحرر من الكنيسة ، التي ظلمتهم في كل روافد الحياة .
من هنا ظهرت الليبرالية الغربية التي تعنى حق الفرد في الحياة كما يريد ، دون التقيد بأي قيد أو شرط ، ويعبرون عن ذلك بقولهم : دَعْه يفعل ما يشاء ، ويَمُر من حيث يريد ، ولا شك أن هذه المطالبة جاءت للتحرر من قيود الكنيسة ، التي حرفت الإنجيل ، وأخرجته من وحي الهي إلى كلام بشري .
ولقد قامت حركة التنوير الأوروبية وفق تسلسل مرحلي تلقائي؛ بدءاً من العلمانية ثم الليبرالية وأخيراً الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرر العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر، وإعفاءه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، ونادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص الدينية، ولم يكن ذلك يعني التملّص من الإيمان الديني عند معظم العلمانيين، بل كانت حركتهم موجهة نحو تخليص العقل من سلطان الكنيسة لعدم إمكان الجمع بينهما، ومن ثَم عزل الإيمان الغيبي (الميتافيزيقا) عن الواقع التجريبي المحسوس.
بناء على التسلسل المرحلي السابق ذكره، فإن الليبرالية الاقتصادية والأيديولوجية لم تنشأ في الغرب إلا بعد شيوع العلمنة وتخليص العلم من سلطان الكهنوت، وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تثور العقلية العلمانية على أيديولوجيا التسليم بالمطلق ومنح العلم صفة النسبية. وتزامن ذلك مع تطلع الفرد للتحرر الاقتصادي من نير الإقطاع، وتحالف البورجوازية الناشئة مع الطبقة الكادحة التي أصبحت أكثر وعياً وثقافة، مما أدّى إلى تقلّص سلطات الإقطاعيين ومنح الطبقات الدنيا حرية العمل والتملك.
إثر ذلك التغيير العقلي والاجتماعي في المجتمع الأوروبي نشأ النظام الديمقراطي كتطور تلقائي ليحل بديلاً عن نظام التوريث الإقطاعي الملكي، وما كان ذلك ليحدث لولا تغلغل الفكر العلماني الليبرالي في المجتمع، والذي أشاع مبادئ الحرية الفردية وحق تقرير المصير، مما أدَّى إلى تدخل الأفراد في انتخاب السلطة الحاكمة، ومن ثم نشوء النظام الديمقراطي القائم على الاقتراع ورأي الأغلبية.
على الرغم من أن الليبرالية عادة ما تُنسب إلى الفيلسوف الإنجليزي (جون لوك 1632- 1704) إلا أن (جون لوك) كان يهدف في الأساس من أفكاره السياسية إلى التحرر من سلطات الكنيسة السياسية، وما رسخته من أفكار حول نظرية التفويض الإلهي للملوك والتي نظَّر لها السير (روبرت فيلمر) في كتابه (دفاع عن السلطة الطبيعية للملك) والذي ذهب فيه إلى أنه «على من يؤمنون بأن الكتاب المقدس منزل من عند الله أن يسلِّموا بأن الأسرة الأبوية وسلطة الأب أقرهما الله، وانتقلت هذه السيادة من الآباء إلى الملوك».
ومن أجل دحض آراء (فيلمر) هذه ذهب (لوك) إلى تصور أن الأفراد في «الحالة الطبيعية» يولدون أحراراً متساوين (وهذه هي نقطة الانطلاق في المذهب الليبرالي كله) وأنه بمقتضى العقل توصل الناس إلى اتفاق «عقد اجتماعي» تنازلوا فيه عن حقوقهم الفردية في القضاء والعقاب للجماعة ككل؛ وعلى هذا تكون الجماعة هي السيد أو الحاكم الحقيقي؛ وهي تختار بأغلبية الأصوات رئيساً أعلى ينفذ مشيئتها.
وكان (فولتير) من أشهر زعماء الليبرالية في فرنسا والذي يعد تلميذاً خالصاً لـ (لوك) من الناحية الفلسفية البحتة، ولكنه يتجاوزه من حيث القدرات الأدبية في التأثير ونقده الحاد وسخريته اللاذعة. وكانت قضية (فولتير) الرئيسية هي تحرير العقلية الأوروبية تماماً من المسيحية الثالوثية عقائد ومفاهيم وقيماً؛ وهكذا كان يصرخ بعنف وسخرية: «إن لديَّ مائتي مجلد في اللاهوت المسيحي؛ والأدهى من ذلك أني قرأتها وكأني أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية» .
واتساقاً مع ما سبق فقد دافع (فولتير) دفاعاً مريراً عن حرية الرأي بالنسبة للعقائد والأفكار؛ ولهذا تتردد له تلك المقولة الشهيرة: «أنا لا أوافقك القول، ولكني سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله». جون ستيورات مل: يعد (جون ستيورات مل) منظِّر الليبرالية الأكبر والذي اهتم في كتابه (عن الحرية) بشرحها شرحاً وافياً، وقد حدد أن الغرض من كتابه هذه هو تقرير المبدأ الذي يحدد معاملة المجتمع للأفراد «ومضمون هذا المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرُّض بصفة فردية أو جماعية لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه؛ فإن الغاية الوحيدة التي تبرر ممارسة السلطة على أي عضو من أعضاء أي مجتمع مُتَمَدْيِن ضد رغبته هي منع الفرد من الإضرار بغيره. أما إذا كانت الغاية من ذلك هي الحيلولة دون تحقيق مصلحته الذاتية أدبيةً كانت أم ماديةً فإن ذلك ليس مبرراً كافياً؛ إذ إنه لا يجوز مطلقاً إجبار الفرد على أداء عملٍ ما، أو الامتناع عن عملٍ ما».
دور اليهود :
لليهود دور أساسي في ترسيخ الفكرة الليبرالية في المجالات الغربية: السياسة والاقتصاد والفكرية؛ قد لايكونوا هم من ابتدعها، فالأقرب أنها ابتدعت تلبية لحاجة نفسية، وثورة على كبت مطلق، لكن اليهود أحسنوا استغلال هذه الحاجة والثورة، بما يحقق أهدافهم، على حين غفلة.
وفي البروتوكول الأول من بروتوكولات حكماء صهيون وردت كلمة "الليبرالية"، بما يبين أن الفكرة ليست إلا غطاء لأهداف حددت سابقا..
ينطلق اليهود في ترسيخ الفكرة الليبرالية من فهم نفسيات الشعوب، من حيث سيطرة العاطفة والسطحية على شعورها، وضعف إدراكها لخفايا الأمور، واغترارها بالظاهر وعدم البحث فيما وراءه، ولأجله فهم مهيئون لتقبل كل فكرة ظاهرها الرحمة، وإن كان باطنها العذاب، لكنهم لا يفقهون ذلك الباطن، وليس لهم إلا الوقوف على الظاهر!!. وقد اتخذوا هذه الفكرة وسيلة لهدم كل الحكومات الارستقراطية الملكية القائمة الثابتة الحاكمة حكما مطلقا، واستبدالها بحكومات غير ثابتة متغيرة على الدوام، ذات سلطة محدودة، بدعوى تحقيق الليبرالية، التي يدركون يقينا أنها لن تكون خيرا من الملكيات والحكومات ذات السلطات المطلقة، إن لم تكن شرا منها، لكن كان لابد من الترويج لها من أجل هذا الهدف، وهو إزالة الأنظمة التي تعوق خطط الصهيونية اليهودية الماسونية في الوصول إلى الحكم.
وهم يعلمون جيدا فشل الليبرالية في تحقيق الأهداف المروجة لها، فقد ورد في برتوكولات حكماء صهيون ما يلي : "لما كانت الحرية السياسية فكرة مجردة عن الواقع، فمن الفرض اللازم معرفة سبيل تسخيرها، من أجل السيطرة على الجماهير، وضمهم إلى حزبنا، ويقتضينا ذلك أن نقدم الطعم الذي يوقعهم في شباكنا، وحينئذ يسع حزبنا أن يقضي على الحزب الآخر المنافس له، ويكون النصر لحزبنا محققا ومؤزرا، لأن المنافس لنا مخدر بفكرة الحرية التي جعلته ينزل عن كثير من سلطاته ، وهذا – دون شك – فاتحة انتصارنا وهزيمة منافسنا".
" الرعاع أو الجمهور قوة همجية تؤكد كل تصرفاتها هذه الهمجية، وعندما يتمتع الرعاع بالحرية تظهر الفوضى التي هي قمة الهمجية".
" كنا أول من نادى في العصور الغابرة بكلمات: الحرية، والمساواة، والإخاء؛ فاجتذب النداء الناس، وأخذوا يهتفون بها ويرددونها في كل أقطار الأرض ترداد الببغاء، دون فهم أو إدراك أو شعور، وأدى بهم الهتاف الببغائي إلى عرقلة التقدم الإنساني في العالم، وحرمان الفرد من حريته الذاتية الأصيلة، التي كانت في مأمن من عبث الجماهير، وأدعياء العلم والفطنة من الجوييم لم يفهموا مدلول هذه الكلمات، ولم يتبينوا التناقض فيما بينهن في المعاني، ولم يفطنوا إلى ما في مدلول كل منهن من خلاف، وفاتهم إدراك الاختلاف في أصل الطبيعة نفسها، إذ ليس فيها مساواة قط، كما أنه ليس فيها حرية أبدا، والطبيعة هي نفسها التي أوجدت الفروق في الأذهان، والأخلاق، والطاقات، والكفايات، وجعلت هذه الفروق ثابتة ثبات الخضوع لها فيما أوجدت من سنن وقوانين".
والخلاصة: أن العنف والقوة والحكم المستبد المطلق هو السبيل الوحيد للاستقرار والحضارة والرخاء والسعادة للدولة، كما كان يقول "هوبز"، والعلة أن الجماهير غوغاء رعاع، لاتدرك كنه الأمور، وتجهل مصالحها وما فيه سعادتها، أما الحرية السياسية فهي مجرد فكرة، ولاينتفع من تطبيقها بشيء، بل تفاقم المشاكل وتزيدها، ذلك أن الجماهير غير مؤهلة، لما بينها تحاسد، وخلافات، وأهواء شخصية، ولأن الخطة السياسية تفقد - بسبب كثرة الأيدي التي تضعها – تماسكها، فتتبدد، ويستحيل تطبيقها.
وإذا كان الأمر على هذا النحو، فلم إذن الترويج للحرية (الليبرالية)؟.
الجواب: لإزالة الأنظمة السائدة، من حكومات ملكية أرستقراطية دينية، وفتح الباب لتغييرها كلما دعت الحاجة والمصلحة الصهيونية الماسونية اليهودية.
إذن، اليهود كانوا وهم يروجون لليبرالية يعلمون أنها شعار أجوف، ليس وراءها أية فائدة للجماهير، بل تفاقم مشكلاتهم وتزيدها حرجا، لكنها سبيل لتحقيق أهم أهداف اليهودية الصهيونية:
[إزالة الحكومات القائمة إلى الأبد، ثم السيطرة على الحكومات البديلة من خلال النظام الديمقراطي ]
ومن هنا أطلقوا تلك الشعارات، ونادوا بها، وصدقها الغوغاء والرعاع، وتبنوها، وصاحوا بها، وهم لايدركون حقيقتها، ولا ما فيها من تناقضات، واختلافات، ومعارضة لأصل الطبيعة البشرية!!.
لذا دخل اليهود في اللعبة ولاسيما في الثورة الفرنسية عام (1789م) ، فوسعوا مفهومها ، حتى شمل نقض كل ثابت في الحياة ، بما في ذلك الإله ، والإنسان ، والأفكار، والمعتقدات ، والسلوكيات ...
فدارون بنظرية التطور نفى وجود اله خَلَقَ الإنسان ، بل نفى خَلْق الإنسان على هذه الهيئة الإنسانية ، وإنما بِِنْيَتُه هذه مَرتْ بالعديد من المراحل في نظره ، فلم يكن الإنسان إنسانا في تلك المراحل ، وإنه يجب التحرر من أن الله خلق الإنسان .
وفُرُوْئِدْ هز ثوابت ممارسة الجنس ، واَوْهَمَ للأوربيين أن العقد النفسية تنشأ من الكبت الجنسي ، ووَضْعِ القيود الشرعية على ممارسته ، كتحريم ممارسة الجنس مع الأم ، أو مع الأخت ،أو مع البنت ........ ، وأن التحرر من هذه القيود يحرر الإنسان من العقد النفسية .
وهِنْرِىْ بَرْجِسُوْن صاحب النظرية الأخلاقية المُعَيَّنة ، جزم بأن الإله وَهْمٌ أختلقته المجتمعات البشرية ، لإيهام الفرد المتمرد على التشريعات الاجتماعية ، وانه الحارس الأمين يعاقب من ينتهكها ، يجب على البشرية التحرر من وَهْمِ الإله ومعاقبته .
ولكن القليل فقط من الغربيين فى هذه الفترة هو من أدرك خطورة المخطط اليهودي منهم الملياردير الأمريكي (هنري فورد) صاحب مصانع السيارات الشهيرة باسمه، الذي تعرض لمؤامرات يهودية كثيرة لزحزحته عن نشاطاته ونجاحاته المتوالية التي لم تسر وفق أهوائهم نظرا لتعصبه لبلده ( أمريكا ) التي يرى أن اليهود دخلاء عليها . فما كان من فورد إلا أن كلف مجموعة من الباحثين الأمريكيين لدراسة تاريخ اليهود في بلده ومصادر قوتهم وأساليبهم وطريقة تفكيرهم ...الخ ليستفيد منها في تعريتهم وفضحهم أمام بني وطنه . فألفوا له كتابا مهما بعنوان ( اليهودي العالمي) .
وقد جاءت في هذا الكتاب معلومات كثيرة مهمة عن اليهود ؛ منها ما يخص أمر ( الليبرالية ) .
يقول أصحاب الكتاب ( ص 160، 162 ) :: (لقد تطلب البرنامج اليهودي واستغرق بالفعل 1900 سنة لكي يصل اليهود بالدول الأوروبية إلى مرحلة التبعية والانقياد للمخططات اليهودية كما هو شأنها الآن في الوقت الحاضر – تبعية تامة في بعض الأقطار الأوروبية، وتبعية سياسية في بعضها الآخر، وتبعية اقتصادية فيها كلها- أما في أمريكا، فقد حقق البرنامج اليهودي النجاح نفسه وتطلب من الوقت خمسين سنة فقط!). (إنه عن طريق مجموعة الأفكار التي تدور حول فكرة "الديمقراطية Democracy" حصل اليهود على "انتصارهم الأول" في مجال السيطرة اليهودية على "الرأي العام Their First Victory over Public Opinion" وتؤكد البروتوكولات أن "الفكرة" هي السلاح The Idea is the Weapon، ولكي تكون الفكرة سلاحاً ملائماً لليهود، فمن الضروري أن تكون هذه الفكرة فكرة ضارة فاسدة متعارضة ومتضاربة مع الأوضاع السليمة الطبيعية في حياة الناس، وهذا هو الشأن أيضاً مع النظريات المنطوية على أفكار متعددة في المجالات المختلفة من الحياة، ومثل هذه الأفكار والنظريات لا يمكن لها أن تكون عميقة الجذور وفعالة ومقبولة إلا إذا بدت لعقول الناس كأفكار ونظريات منطقية ومتسقة مع مطالب الجماهير، بل ومسرفة في التظاهر بأنها تحقق للجماهير أكبر قدر من مطالبهم وآمالهم في الحياة، وغالباً ما تكون الفكرة الصحيحة غير ملبية للمطالب والآمال الكبرى للناس، وتبدو الأفكار والنظريات السليمة في كثير من الأحيان أمام الناس أفكاراً ونظريات قاسية مخيبة للآمال، وتبدو كما لو كانت شرّاً على الرغم من أنها تتصف بأنها حقيقة من الحقائق الخالدة.
إن كل ما يترتب وينتج عن مثل هذه الأفكار والنظريات الحقيقية ليس هو الضرر أو الفوضى، ومثل هذه الأفكار والنظريات الحقيقية هي أول ما يهدف البرنامج اليهودي إلى تحطيمه والقضاء عليه، وجدير بنا أن نلاحظ أن الدعوة إلى التحرر والليبرالية يحتل مكان الصدارة في البرنامج اليهودي الذي تتحدث عنه البروتوكولات إذ نجد أنها تقول بالحرف الواحد: "لتحقيق السيطرة على الرأي العام من الضروري أولاً إرباكه". والحقيقة واحدة، ولا يمكن إرباكها، ولا يصح إلا الصحيح، ولا توجد حقائق غير صحيحة، وإن لم تكن الحقيقة حقيقة فهي الخطأ بعينه، ويستحيل أن يتصف شأن من الشئون بأنه حقيقة إذا كان خاطئاً، كيف سيربك اليهود الحقيقة، إنهم يعتمدون في ذلك على هذه "الليبرالية Liberalism" الزائفة ، ولكنها جذابة تستهوي الجماهير وتروق لهم رغم زيفها ، ولقد حقق اليهود لفكرة الليبرالية الذيوع والانتشار بسيطرتهم على دور النشر والإعلام وأجهزة النشر والإعلام على نطاق واسع في أمريكا بسرعة أكبر بكثير من سرعتهم في ذلك في البلاد الأوروبية، ومن الممكن القضاء على هذه الليبرالية الزائفة بسهولة؛ لأنها لا تمتُّ إلى الحقيقة بأي صلة من الصلات الحقيقية، إنها خطيئة كبرى، وللخطايا أكثر من ألف شكل وشكل، وأكثر من ألف صورة وصورة.
ولنأخذ أمة أو حزباً أو مدينة أو مؤسسة، ولنفترض أن سُمَّ الليبرالية Poison of Liberalism قد سرى في عروق أي من هذه المؤسسات ؛ سنجد أمامنا أن كلاً منها قد انقسم وتمزق إلى عدة أقسام، وعدد من الشيع لا ينقص عن اثنين، ويجوز أن يزيد على ذلك في كثير من الأحيان، وذلك عن طريق بث أفكار جديدة، وتقديم تعديلات للأفكار القديمة، وهذه الخطة السوقية الشريرة معروفة تمام المعرفة لدى القُوَىَ اليهودية التي تسيطر على أفكار الجماهير بصورة خفيَّة غير مكشوفة.)
وجاء في البروتوكول العاشر : ( ولما أدخلنا اسم الليبرالية على جهاز الدولة، تسممت الشرايين كلها، ويا له من مرض قاتل، فما علينا بعد ذلك إلا انتظار الحشرجة وسكرات الموت.
إن الليبرالية أنتجت الدولة الدستورية التي حلت محل الشيء الوحيد الذي كان يقي الغوييم السلطة المستبدة. والدستور، كما تعلمون جيداً، ما هو إلا مدرسة لتعليم فنون الانشقاق، والشغب، وسوء الفهم، والمنابذة، وتنازع الرأي بالرد والمخالفة، والمشاكسة الحزبية العقيمة، والتباهي بإظهار النـزوات. وبكلمة واحدة: مدرسة لإعداد العناصر التي تفتك بشخصية الدولة وتقتل نشاطها. ومنبر الثرثارين وهو ليس أقل من الصحف إفساداً في هذا الباب، راح ينعى على الحكام خمولهم وانحلال قواهم ، فجعلهم كمن لا يرجى منه خيرٌ أو نفع. وهذا السبب كان حقاً العامل الأول في القيام على كثيرين من الحكام فأُسقطوا من على كراسيهم. فأطل عهد الحكم الجمهوري، وتحقق، فجئنا نحن نبدل الحكم بمطية من قِبَلِنا ونجعله على رأس الحكومة وهو ما يعرف بالرئيس، نأتي به من عداد مطايانا أو عبيدنا، وهذا ما كان منه المادة الأساسية المتفجرة من الألغام التي وضعناها تحت مقاعد شعب الغوييم، بل على الأصح شعوب الغوييم )() .
يتبع.

