ابحث عن : بحث متقدم

القلم » روافد وأدوار...

قيم هذه المادّة:
3.00 من 5 (3 صوت)

غياب استراتيجية العرب
28-6-2008
"...وهذا يعني انهيار كل مخططات الغزاة وتبديد أحلامهم الاستعمارية، ولكن كيد أولياء الشيطان الضعيف قوبل بكيد ضعيف, فضعف استراتيجية العدو قابله غياب تام لأي استراتيجية عربية، وهذا الغياب هو الذي ضمن للغرب نجاح مخططاتهم, رغم ضعفها في بلاد العرب, على مدى قرن ونيف من الزمن
..."

عندما نكثت بريطانيا بوعدها الذي قطعته للشريف حسين بن علي بمنح البلاد العربية الاستقلال وتوحيدها تحت زعامته، قرر العرب داخل فلسطين مقاومة الاحتلال بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة, وأعلنوا عام 1936 م الإضراب الذي استمر ستة أشهر، تعطلت على إثره جميع مرافق الحياة في البلاد، وجابت المظاهرات السلمية أنحاء فلسطين مطالبة بوقف هجرة اليهود وإقامة حكومة وطنية.

حاول الإنجليز قمع هذه الحركة بالقوة العسكرية، الأمر الذي تحول إلى ثورة عارمة وانحاز المجاهدون إلى الجبال الوعرة, وبدأوا يغيرون على قوافل المحتل ومعسكراته، وجهّز الإنجليز لمواجهة هذا الوضع الطارئ قوة كبيرة معززة بالطائرات والدبابات, وأوكلوا قيادتها لخيرة ضباطهم من أمثال الجنرال (سيرجون ديل) والجنرال (سيرارشيبالد ويفل) والأخيرهو أحد أبطال حرب شمال أفريقيا بالحرب العالمية الثانية، فعمدوا إلى أسلوب الأرض المحروقة، حيث دمّروا المنازل وأحرقوا القرى وتركوا المدن نهباً مباحاً لجنودهم.

يقول كامل الشريف رحمه الله في كتابه الإخوان المسلمون في حرب فلسطين: "أخذ الإنجليز يسوقون الناس جماعات لأعواد المشانق ويفرضون أقصى العقوبات على من اشتركوا في الثورة بطريق مباشر أو غير مباشر، حتى أنهم كانوا يحكمون بالإعدام على من توجد في حوزته طلقة ذخيرة فارغة".

وقد فشلت بريطانيا في قهر الشعب الفلسطيني وهزيمة ثورته، فاتجهت إلى أسلوب المكر والخداع، حيث طالبت زعماء العرب بالتدخل لإنهاء حالة الاضطراب في فلسطين، مقابل وعود بحل القضية بالطرق السلمية, فأصدر هؤلاء الزعماء نداءات للمجاهدين يطالبونهم بإنهاء المقاومة المسلحة حقناً للدماء, ويعدونهم بالتدخل الحاسم لحفظ حقوق العرب في فلسطين، وانخدع المجاهدون بهذا الوعد، فأعلنوا إيقاف المقاومة، الأمر الذي أدخل القضية برمتها دهاليز أروقة الأمم المتحدة التي تسيطر عليها الحركة الصهيونية العالمية, مما أدى إلى قيام دولة يهود على أرض فلسطين.

وعندما فقد أهل فلسطين الأمل في قدرة زعماء العرب على الوفاء بوعودهم، عادت المقاومة المسلحة إلى أرض فلسطين، ولكن بعد فوات الأوان، فاليهود قد استكملوا بناء قوتهم، والإنجليز قد أحكموا سيطرتهم على دوائر صنع القرار العربي، التي بادرت بدورها إلى تشكيل ما يسمى لجنة إنقاذ فلسطين بقيادة الفريق طه الهاشمي، والتي كانت من أهم العوامل التي أدت إلى هزيمة المقاومة، حيث منعتها الدعم بالمال والأسلحة التي كانت تدفع أثمانها من تبرعات الشعوب العربية، وكانت النتيجة دفع المجاهدين لخوض معارك غير متكافئة، مما أدى إلى استشهاد القائدين عبد القادر الحسيني وحسن سلامة وكثير من رجالهم، الأول في بلدة القسطل دفاعاً عن بيت المقدس, والثاني في رأس العين دفاعاً عن يافا وتل أبيب, وباستشهادهما انتهت المقاومة.

فما أشبه الليلة بالبارحة، فهذه حامية الصليب تغزو بلاد المسلمين وتقتل الكبير والصغير, والذكر والأنثى دون تمييز، وتنتهك الأعراض وتسلب الممتلكات, وتخرب الديار، وعظماؤها يجوبون بلاد العرب ذهاباًً وإياباً، يستقبلهم علية القوم بالأحضان، مما جعل عصبة مؤمنة من شباب الأمة تخرج على الوضع القائم وتقرر مقاومة الغزو الصليبي باللغة التي يفهمها المحتل، فأعلنت الجهاد وبدأت العمليات العسكرية ضد جنود الصليب، وبشكل لم يعتاده الغزاة.

يقول أحد جنودهم: "إننا نغدو كل يوم ونحن متيقنون أننا سوف نموت, ولكن لا نعلم كيف؟, وأين ستكون نهايتنا؟"، فصدق هذا العلج وهو كذوب، فهو لا يعلم إن كان هلاكه سيكون بحزام ناسف يتمنطق به شخص يرتدي زي القوى الصديقة (العميلة), أم بقنبلة زرعت في الطريق التي ستسلكها عربته, أم في سيارة مفخخة أوقفت على جانب الطريق، أم بوسائل أخرى لم تخطر على بال مخططي عمليات الاحتلال، الأمر الذي أصاب جنود الاحتلال بهزيمة نفسية ماحقة، فكثرت على أثرها حالات الانتحار, وتفشت بسببها الأمراض النفسية.

وأصبح المسؤولون يواجهون يومياً حالات من التمرد والعصيان، قد تصيب خططهم المستقبلية بمقتل، مما جعلهم يعيدوا النظر في كل الخطط التي تعتبر المواجهة العسكرية هي الحل الأمثل لتنفيذ قراراتهم الاستعمارية, ويتجهون بدلاً عن ذلك إلى أسلوب المكر والخداع, الذي انتهجه أسلافهم في فلسطين من قبل، ويطلبوا من أصدقائهم بالمنطقة سرعة التدخل لإنهاء حالة العنف وحل القضية بالطرق الدبلوماسية، ولم يتأخر هؤلاء الأصدقاء عن تلبية الطلب.

وبدأت الضغوط تتوالى على المجاهدين بكل الطرق والوسائل، حتى دبّ الخلاف بين حركات الجهاد، وتبودلت الاتهامات بالخيانة والعمالة لجهات خارجية بين قياداتها، فتنفس العدو الصعداء، وبدأ يعزز سياسته الجديدة بإدخال أطراف أخرى بالقضية، كالأمم المتحدة, ودول الجوار، لإضفاء نوعاً من الشرعية على سياسته الاستعمارية,وبهذا تكون عجلة التاريخ قد دارت إلى الوراء لتذكرنا بأحداث الثلاثينات من القرن المنصرم.

ومما سلف ذكره يتبين لنا أن العدو لا يملك استراتيجية قوية تضمن نجاح مخططاته الاستعمارية بالمنطقة، فالاعتماد على تعاون الزعامات المعتدلة (الموالية) في حالة فشل العمل العسكري, غير كاف لتحقيق أهداف بحجم أهداف وطموحات هذه الدول, التي ترمي إلى إحكام سيطرتها العسكرية والاقتصادية والثقافية على المنطقة المستهدفة بالغزو، فلو غيرت الزعامات المتعاونة مواقفها، وسلكت سبيل المقاومة، لصدق على الطرفين قول الحق تبارك وتعالى{ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا}النساء76.

وهذا يعني انهيار كل مخططات الغزاة وتبديد أحلامهم الاستعمارية، ولكن كيد أولياء الشيطان الضعيف قوبل بكيد ضعيف, فضعف استراتيجية العدو قابله غياب تام لأي استراتيجية عربية، وهذا الغياب هو الذي ضمن للغرب نجاح مخططاتهم, رغم ضعفها في بلاد العرب, على مدى قرن ونيف من الزمن.

 

اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)



تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو