إن "التقدم" (بالإنكليزية: بروجرس progress) من "تقدَّم" بمعنى "سار أو انتقل إلى الإمام" ، ويشير لفظ "التقدم" إلى أي حركة تتجه وجهة مرغوباً فيها ، وإلى التحول المتدرج من حال إلى ما هو خير منها ، وعادة ما يرتبط التقدم (في الخطاب السياسي والفلسفي الشائع) بقيم مثل الانفتاح والتطور في الآراء السياسية والاجتماعية والاستنارة وغيرها ، والتقدم هو الإجابة التي تقدمها المنظومة المعرفية (التحديثية الترشيدية) على السؤال المعرفي النهائي الخاص بالهدف من وجود الإنسان في الكون .
ومعظم الحضارات تحتوي على مفهوم للتقدم والتخلف والرقي والانحطاط ، ولكن التقدم والرقي مرتبطان بمطلقات كل المجتمع ومقدساته ، ولم تكن هناك نظرية عامة للتقدم تضم كل البشر ، وتفترض وحدة التاريخ الإنساني وحركته الدائمة نحو مستقبل أحسن .
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن فكرة التقدم كامنة في العقيدة المسيحية (وفي الديانات التوحيدية ككل) ، فالفكر اليوناني القديم - شأنه شأن كثير من الوثنيات القديمة - كان لا يؤمن بإله مفارق للطبيعة ، منزَّه عنها ؛ ولذا كان يرى التاريخ باعتباره حلقات متكررة لا معنى لها ، ولذا فإن الفكر الوثني فكر عدمي تشاؤمي (وهذا ما أكده "نيتشه" ، الذي كان يؤمن بالعود الأبدي ، ويطالب بالعودة إلى فلسفة ما قبل سقراط) .
أما في الديانات التوحيدية ، فهناك إله مفارق للطبيعة والتاريخ ، يمنحهما هدفاً نهائياً ، يتحقق تدريجياً في داخل الزمان ، من خلال عون الإله وجهد الإنسان ، إلى أن نصل إلى لحظة الخلاص النهائية ، وقد عبَّر هذا عن نفسه في العقيدة اليهودية في اللحظة "المشيحانية" ، حينما يعود الشعب إلى أرضه المقدسة تحت قيادة "الماشيَّح" المختار ، وحينما جاء المسيح ، وأعلن أن شريعته تَجبُّ الشريعة اليهودية ، وأن نطاق الخلاص قد اتسع ليشمل كل البشر ، وقسّم التاريخ إلى ما قبل الميلاد وبعد الميلاد ، باعتبار أن ميلاد المسيح هو اللحظة التي تجسَّد فيها الإله - تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً - في التاريخ ، واكتسب التاريخ معنى من خلاله ، وعلى الرغم من هذا الإيمان العميق بإمكانية الخلاص ، فإن المسيحية كانت تؤمن بأن عقل الإنسان محدود ، وأنه كائن ساقط خاطئ ؛ ولذا فإن هناك رؤيتين للتاريخ: واحدة متفائلة تؤكد إمكانية الخلاص التدريجي ، والثانية متشائمة تؤكد فكرة السقوط ومحدودية الإنسان .
وقد تمت علمنة الفكرة التاريخية المسيحية المتفائلة في عصر النهضة ، وهيمنت المرجعية الواحدية المادية على رؤية الإنسان الغربي للكون ، فأصبح للتاريخ هدف ، يتحقق في الزمان من التأكيد على لا محدودية العقل الإنساني ، وعدم حاجته لوحي إلهي ، وعلى أن التقدم حتمي ، فهو كامن في القوانين الطبيعية ذاتها ، التي تدفع بالتاريخ الإنساني ، وظهرت فكرة التاريخ الإنساني العالمي ، فقانون الطبيعة قانون عام واحد ، يدفع بالتاريخ الإنساني كله حسب متتالية محددة ، وبدأت فكرة التقدم تتبلور على يد فلاسفة مثل فيكو وفولتير وتورجو وهردر وكانط ، وظهرت فكرة المراحل في فكر "أوجست كونت" ثم هيغل وماركس ، وأصبحت فكرة التقدم فكرة أساسية في فكر الاستنارة ، ثم وصلت إلى قمة ازدهارها وشيوعها في أواخر القرن التاسع عشر (عصر الإمبريالية والداروينية) .
وقد تغلغلت الفكرة في جميع المجالات ، فظهرت نظرية التطور ، التي حظيت بالقَبول العام لدى المتخصصين في العلوم الاجتماعية المختلفة ، ومن ثم ظهر العديد من النظريات الاجتماعية والسياسية ، التي تفترض مفهوم التقدم دون أي تساؤل ، وكأنه معطًى بدهي لا يقبل النقاش ، وظهرت النظرية العِرْقية والإمبريالية ، التي تستند اعتذارياتها إلى فكرة تقدم الإنسان الغربي ، وتفوقه على بقية شعوب الأرض.
ومفهوم التقدم - في المنظومة الغربية - يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة (في عقل الإنسان والطبيعة) ، ويستند إلى عدة منطلقات ، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
1- عقل الإنسان غير محدود ؛ فهو مكثف بذاته ، لا يحتاج إلى أي عون خارجي ، وهو قادر على معرفة الطبيعة ، والسيطرة عليها ؛ إذ إن العقل يكتسب - من خلال التطور - مزيداً من المنطق والرشد والتفكير.
2- المعرفة الإنسانية ستظل تتراكم بشكل مطَّرد وبلا نهاية (أو سنصل إلى نقطة النهاية حين يتم السيطرة النهائية على الطبيعة).
3- يستند مفهوم التقدم - شأنه شأن كل المفاهيم الفلسفية والمعرفية الغربية الحديثة - إلى المطلق العلماني: الطبيعة المادة .
4- الموارد الطبيعية في الكون غير محدودة ، ولا يمكن أن يصيبها العطب أو الخلل (فالمادة لا تفنى!) .
5- التقدم عملية عالمية واحدية خطية ذات اتجاه واحد ، تتم حسب قانون طبيعي عام واحد ، يتبدَّى في كل زمان ومكان - وفي جميع المجتمعات - حسب متتالية واحدة تقريباً. يتم التقدم في جميع المجالات دون تفريق بين مجال مادي ومجال إنساني ؛ ولذا كان من المفروض أن يتم التقدم في عالم الفنون والآداب ، بل وفي الطبيعة البشرية ذاتها (فلا يمكن أن يكون هناك شيء ثابت في عالم الطبيعة). يفترض مفهوم التقدم وجود تاريخ إنساني واحد (لا إنسانية مشتركة تتبدى في تشكيلات حضارية وتاريخية مختلفة ومتنوعة) ؛ ولذا فإن ما يصلح لتشكيل حضاري وتاريخي معين يصلح لكل التشكيلات الأخرى (وهذا ما نسميه الوحدة التاريخية للوجود).
6- قد يتم التقدم عبر مراحل تطورية متتالية مختلفة في بعض التفاصيل والأسباب ، ولكن المراحل المختلفة تصل - في نهاية الأمر - إلى نفس الهدف ، وتحقق نفس الغايات. تعتبر المجتمعات الغربية - خصوصاً في غرب أوروبا - هي ذروة هذه العملية التطورية العالمية الطبيعية ، ومن ثم فهي النموذج الذي يُحتذَى. الدولة القومية المركزية هي من أهم آليات التقدم - إن لم تكن أهمها - فهي التي تقوم بترشيد كل من الواقع الإنساني والإنسان نفسه ، وتحوِّله إلى مادة بشرية منتجة نافعة. - ثمن التقدم (السلبي) أقل بكثير من عائده (الإيجابي) ؛ ولذا فإن ثمن التقدم معقول ، ويمكن قبوله.
7- التقدم - مثل قوانين الطبيعة / المادة - عملية حتمية ، تتم على الرغم من إرادة الأفراد وخارجها ، ولا يمكن لأحد إيقافها (فما يدفع التاريخ هو قوانين الطبيعة الكامنة فيه) .
8- عملية التقدم مثل (الطبيعة / المادة) ليس لها غائية إنسانية محددة أو مضمون أخلاقي محدد ، التقدم (مثل الطبيعة / المادة) مجرد حركة أو عملية ، وعملية التقدم لا علاقة لها بأي قيم دينية أو أخلاقية أو إنسانية ، ومن ثم قد تتساقط مثل هذه القيم نتيجة عملية التقدم المستمر والحتمي. عادة ما يتقدم المرء نحو شيء ما من مكان إلى آخر ، ولكن التقدم في المفهوم الغربي (المادي) عملية حركية تعني الانتقال (الترانسفير) دون تحديد الهدف من الحركة ، ومن ثم يتحول التقدم (بالإنكليزية: بروجرس progress) إلى مجرد عملية (بالإنكليزية: بروسيس process). التقدم - بذلك - يصبح بلا مرجعية ، أو يصبح مرجعية ذاته ، ومن ثم يصبح هو الوسيلة والغاية ، فنحن نتقدم كي نحرز مزيداً من التقدم (وهي عملية لا نهائية) ، أي أن التقدم ليس حتمياً وحسب ، وإنما نهائي أيضاً ، فهو تقدم وحسب .
9- ولكن الحركية ليست محايدة تماماً ، ولا بريئة إطلاقاً ، فثمة تحيُّز - للرؤية المادية - كامن في مفهوم التقدم الغربي ، فالتقدم هو ما يساعد على تحقيق قانون الحركة (المادي العام) ، وقد اكتشف الغرب أن التقدم هو زيادة المنفعة ، وتعظيم اللذة لأكبر عدد ممكن من البشر ، وبالتدريج ، أصبح التقدم هو تزايد القوة والسلطة.
10- الإنسان هنا هو الإنسان الطبيعي / المادي ذو الاحتياجات الطبيعية المادية العامة (ثم أصبح الإنسان الطبيعي / المادي الأبيض في المنظومة الإمبريالية). لكل ما تقدم - وعلى الرغم من الحديث عن التقدم كعملية لا نهائية - فإنه اكتسب مضموناً مادياً كمياً لا إنسانياً (بمعنى أنه مفهوم يسير اختزالي ، يلخص هدف الإنسان في الكون في بضعة أهداف نهائية ذات توجه مادي حاد) . وأصبح الإطار الكلي والنهائي لمفهوم التقدم ليس الإنسان كإنسان ، وإنما مقاييس ليست بالضرورة إنسانية مثل الإنتاجية ومعدلات الاستهلاك ؛ ولهذا ظهرت مؤشرات على التقدم ومقاييسه ذات طابع مادي كمي لا تكترث بإنسانية الإنسان ، مثل: عدد الهواتف - نسبة البروتين - عدد السيارات وسرعتها - طول الطرق - معدل تحرك البشر وانتقالهم وحركيتهم ، وهي مقاييس تركز على ما يقاس ، وأما ما لا يُقاس فقد استُبعد أو هُمِّش ، وتُركِّز على العام دون الخاص ؛ ولذا فهي تُسقط كل الخصوصيات الدينية والإنسانية ، وتركز على قياس الثمرة المباشرة العاجلة والمحسوسة ، دون الثمن الآجل غير المباشر وغير الملموس ؛ ولذا تمت إزالة المدن القديمة باسم التقدم ، وتم غزو العالم لنفس السبب ، وقد أُبيدت الشعوب والأقليات لتحقيق نفس الهدف ، وتصاعد إيقاع المجتمع ، وتقطعت الأواصر الإنسانية لنفس الحُجة ، وقُضي على كل الخصوصيات (حتى وصلنا إلى قمة التقدم والنظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ والإنسان) ، دون أي حساب للنتائج السلبية لكل هذه العمليات التقدمية.
ويتضح تحيز مفهوم التقدم للتقدم المادي ، إن طالبنا استخدام مفهوم مثل الطمأنينة والسعادة كمعيار للتقدم ، فالرد على ذلك معروف ، وهو أن الطمأنينة والسعادة أمور نسبية ومتغيرة لا تقاس ، أما التقدم المادي فيمكن قياسه علمياً ، وهو ما يعني أن التقدم شيء ، والطمأنينة والسعادة شيء آخر ، وأن التقدم هو - في واقع الأمر - تمدُّد مادي ، وليس تحققاً إنسانياً ؛ ولذا فإنه بدلاً من مؤشرات من عالم الإنسان (السعادة والطمأنينة) يسقط الإنسان في عالم السلع والمؤشرات المأخوذة من عالم الأشياء (السرعة - الإنتاجية.. الخ) ، دون أي اكتراث بمدى تحقيقها السعادة أو البؤس للإنسان .
والله أعلم.
كما هي عادة أستاذنا المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري، إدراك شامل، ونقد عميق وموضوعي للجذور الفكرية التي تقوم عليها الحضارة الغربية.
هذه المقالات الرائعة تعيد إلى الأذهان أعمال كتاب غربيين كبار سبق وأن دقوا نواقيس الخطر لما ستؤول إليه الحضارة المادية، مثل ألكسيس كاريل وجورج أورويل. لقد وصل الغرب إلى حافة الانهيار ولم يعد من المتوقع- نظريا على الأقل- إنقاذه إلا بعد أن تعضه هذه الكوارث الإنسانية بنابها لتستيقظ الشعوب المخدرة بالجنس والاستهلاك.. ولكن كل ما أرجوه هو أن تجد أعمال هذا الكاتب الفذ آذانا صاغية في أوساطنا العربية المثقفة، عسى أن يخفف ذلك ولو جزئيا ذلك اللهاث المسعور للاقتداء بالغرب، فننجو من هذا الهلاك.
رحم الله الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمة واسعة فقد أثري مكتبتنا العربية ببحوث رائعة ومبتكرة وجديدة في مضمونها ومحتواها

