مما ساهم في تصعيد الموقف السلبي لبعض وسائل الإعلام المحلية مع الهيئة — بالإضافة إلى العوامل التي أشرت إليها في الجزء الأول من المقالة - الصراع الفكري القائم محلياً بين التيار التغريبي أو الليبرالي —صاحب النفوذ الواسع في الوسط الإعلامي المحلي - والثقافة الإسلامية السائدة في المجتمع، ومن يمثلها من علماء ودعاة ومفكرين، وخلال هذا الصراع استغل المنادون بالفكر الليبرالي، ومن يدفع معهم في نفس الاتجاه مساحات الحرية الكبيرة التي منحتها الدولة لوسائل الإعلام المحلية بعد نشوب أحداث الإرهاب في الداخل لتوسيع المشاركة الشعبية في علاجه، وقد كان أحد أهم محاور ذلك الصراع دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع السعودي، ويعود ذلك لما ذكرناه أنفاً من دورها المهم في ضبط السلوك الاجتماعي، و الحد من شيوع السلوكيات والأفكار الغريبة على المجتمع السعودي، وكون الهيئة أحد أهم المؤسسات الشرعية المؤثرة في الخطاب الإسلامي المحلي، ولما لها من دور حيوي وإجرائي في ضمان تطبيق الأفراد للأحكام الشرعية، والانضباط بها في الواقع.
فقضايا مثل الاختلاط المحرم بين الجنسين، والتشجيع على عمل المرأة دون ضوابط شرعية فعلية، والتهوين من الحجاب الشرعي للمرأة، والمطالبة بالتخفيف منه، ومجاهرة أهل البدع بطقوسهم البدعية، تمارس فيها الهيئة دور الجهة الرسمية التي تحول دون رواج تلك السلوكيات المنحرفة، وما تضمنتها من أفكار وافدة في المجتمع السعودي، وهذا في الواقع إعاقة عملية كبيرة للجهود الحثيثة التي يقوم بها دعاة التغريب والليبرالية.
ونحن نتحدث عن تلك الصراعات الفكرية وأثرها على تعاملات الإعلام مع قضايا الهيئة يجب ألاّ ننسى نفوذ الليبراليين والمتعاطفين معهم في الوسط الإعلامي، لاسيما الصحفي منه، وحينئذٍ فليس غريباً أن يستخدم أولئك القوم الطرح الإعلامي لإضعاف أو تهميش أي عائق يحول دون رواج مفردات فكرهم في المجتمع السعودي.
ما سبق من عوامل وأسباب، مع ما يقع من بعض التجاوزات والاجتهادات الفردية من بعض أعضاء الهيئة بحكم طبيعتهم البشرية ووجود حاجة ماسة إلى تطوير وتحسين الأداء الميداني لمنسوبي الهيئة، بالإضافة إلى الضعف الذي تعاني منه الآلة الإعلامية في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ذلك وغيره أدّى إلى تحوّل قضايا الهيئة ومشكلاتها إلى قضايا جدلية ومثيرة للرأي العام في المجتمع السعودي، ودفع بعض وسائل الإعلام إلى التعاطي بشكل سلبي مع قضايا الهيئة ومشكلاتها- الصحيح منها وما سواه — في ممارسات أقل ما يمكن أن نصفها به هي أنها ممارسات ضعيفة في مهنيتها الإعلامية، وذلك يؤكد ما ذكرناه في البداية من سطحية أو أدلجة النظرة التي تحمِّل الهيئة وحدها ومن خلال أخطاء بعض منسوبيها مسؤولية ذلك التصعيد الإعلامي المجحف.
وعندما تجاوز الأمر حدوده الطبيعية، وخرجت الممارسة النقدية عن حدودها المهنية، وظهر التوظيف الفكري لها، وبدأت تداعياتها تتنامي بشكل يضر بالمصالح العامة للوطن، هنا تدخل المسؤول ليضع حداً لذلك، فجاءت تصريحات الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية لتؤكد في عدة مناسبات، وفي ظروف مختلفة، على أهمية الدور الذي تقوم به هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتميته في الدولة السعودية، وعمق دلالاته، ووقوف الدولة ودعمها لهذا الجهاز، مع السعي الحثيث في تطوير وتحسين أدائه العام، وتطالب الصحافة بالتأني والبعد عن المبالغة والتهويل عند الحديث عن أخطاء بعض منسوبي الهيئة، مع أهمية الدقة في النشر، وتحرّي الحقائق، وذلك حتى تحقق وسائل الإعلام دورها الوطني المناط بها على وجهه الصحيح.
وبعد كل تصريح للأمير نايف حول الموضوع تخبو حدة السلبية الإعلامية في التعاطي مع قضايا الهيئة، إلاّ أنها لا تلبث أن تعود مرة أخرى، لأسباب مختلفة، وذلك بدءًا من تصريحات الأمير نايف الشهيرة حول حريق متوسطة البنات بمكة عام 1422هـ، ومروراً بما تبع ذلك من تصريحات مشابهة في عدة مناسبات لاحقة، ولكن يبقى أن تصريح الأمير نايف الأخير حول صحيفة الوطن هو أشهرها وأقواها أثراً على سير الصحافة السعودية، وذلك عائدٌ إلى أنها صدرت في هذه المرة من النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وليس من وزير الداخلية فقط، ولما فيها من صرامة في المضمون، ولتحديدها للصحيفة الأجرأ والأكثر تطاولاً وسلبية في التعاطي الإعلامي مع قضايا الهيئة.
ومع كل ما سبق يبقى أن أملنا كبير في أن تنأى الممارسة النقدية في صحافتنا في مستقبل الأيام عن أتون الصراعات الفكرية لتكون ممارسة وطنية بحق، وعندئذٍ ستستفيد منها الهيئة والمجتمع أكثر.
المصدر: الإسلام اليوم

