ابحث عن : بحث متقدم

القلم » مختارات ...
عقود الباطن حين تؤدي إلى كوارث..!!
05-1-2010
"...ولئن كان التعاقد من الباطن جائزاً شرعاً, ومسموحاً نظاماً, فإنه يجب أن يكون ذلك في ظل رقابة صارمة لتنفيذ المشروعات الحكومية..."

حدثني أحد الزملاء القضاة العاملين في سلك القضاء: أن رجلاً توفي بسبب ارتطامه ببنيان وُضع خطأ في الطريق العام، وحين ترافع أولياء القتيل لدى فضيلة القاضي ضد منفذ المشروع, تبين أن المنفذ من الباطن قد تسلسل إلى الدرجة الخامسة أو السادسة, وأذكر أنه قال لي بأن المنفذ الأخير كان مقيماً من جنسية باكستانية!

وهكذا كثير من المشروعات تنفذ من الباطن, وتصل في النهاية إلى شركات أو مؤسسات وربما أفراد من جنسيات متنوعة.

وللأسف, فإن عدداً من المقاولين يدخل في أي مناقصة معلنة ليظفر بالمشروع المطروح, سواء كان قادراً على تنفيذ المشروع المعلن أو لا، يدفعه إلى ذلك طمعه الشديد في تحقيق أكبر قدر ممكن من أموال تلك المشروعات, ولو كان لا يملك المقومات المطلوبة, مما أدى إلى تعثر كثير من المشروعات, وإلى فشل مشروعات أخرى.

ومن نتائج ذلك الطمع غير المحدود, توزيع تلك المشروعات التي ظفر بها على عدد كبير مما يُسمّى المقاولين من الباطن, والمقاولة من الباطن وإن كانت (في الأصل) من العقود الجائزة شرعاً, والمسموح بها نظاماً, إلاّ أنها حين يتم توقيعها مع غير الأكفاء فإنها تتحول إلى عقود ربحية ظالمة؛ لأنها تنسف المال العام بمشروعات قابلة للانفجار في أية لحظة..! وقد كانت لكارثة جدة, وما وقع بسببها لبعض المنشآت الحديثة أكبر دليل وأعظم شاهد لذلك.

إن الفقهاء لم يجيزوا العقود من الباطن بإطلاق, بل ذكروا الشروط المقيدة للجواز, وهي:

أولاً: ألا يشترط رب العمل (كالحكومة مثلاً) على الأجير أن يعمل العمل بنفسه. فإن اشترط ذلك رب العمل, كان شرطاً صحيحاً ولازماً, وكذا إن اشترط ألاّ يتعاقد من الباطن إلاّ بإذنه, ويتحمل الطرف المتعاقد مسؤولية مخالفة ذلك الشرط, ولهذا جاء في نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م58) وتاريخ 4/9/1427هـ ما نصه: "المادة الحادية والسبعون: يتم التعاقد مع المصرح لهم بالعمل مباشـرة، ولا تجوز الوساطة في التعاقد. ولا يُعدّ وسيطاً الموزع أو الوكيل المعتمد من المنتج الأصلي. وينفذ المتعاقد العمل بنفسه، ولا يجوز له التنازل عنه أو عن جزء منه، أو إنابة غيره في تنفيذه بغير إذن خطي سابق من الجهة المتعاقدة. ومع ذلك يبقى المتعاقد مسؤولاً بالتضامن مع المتنازل إليه أو المقاول من الباطن عن تنفيذ العقد".أهـ.

وجاء في المادة الثالثة والخمسين: "يجوز للجهة الحكومية سحب العمل من المتعاقد، ومن ثم فسخ العقد أو التنفيذ على حسابه مع بقاء حق الجهة في الرجوع على المتعاقد بالتعويض المستحق عما لحقها من ضرر بسبب ذلك في أي من الحالات التالية:... إذا تنازل عن العقد أو تعاقد لتنفيذه من الباطن دون إذن خطي مسبق من الجهة الحكومية". أهـ

الشرط الثاني: ألاّ يكون العمل المعقود عليه مما يختلف باختلاف الأجير. وهذا الشرط يكشف عن قضية هامة جداً, وهي أن العقد من الباطن يجب أن يكون مع شخص يتوفر فيه أو جهة تتوفر فيها القدرة والأهلية الكاملة على تنفيذه, أما إذا كان الأجير من الباطن ليس لديه القدرات الكافية, ولا التخصص المطلوب للقيام بالعمل, فإن إجراء العقد معه حينئذ يكون محرماً, ويكون المال الناتج عنه من الأموال المأكولة بالباطل.

ولئن كان التعاقد من الباطن جائزاً شرعاً, ومسموحاً نظاماً, فإنه يجب أن يكون ذلك في ظل رقابة صارمة لتنفيذ المشروعات الحكومية, وإلاّ فإن حسم هذا الباب هو ما تقتضيه السياسة الشرعية والمصلحة المرعية في ظل الأوضاع القائمة الآن.

المصدر: الإسلام اليوم

 

اضف مشاركتك هنا


الإسم (ضروري)

البريد الإلكتروني(ضروري)

عنوان المشاركة (ضروري)

مشاركتك (ضروري)



تصميم و برمجة وإنتاج سمارت انفو